بِثَباتٍ عن أتباعِهِ الذينَ آمَنوا قائِلًا: (ولا أَقولُ لِلذينَ تَزدَري أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خيرًا) .
والتعبيرُ عن اسْتِقلالِ الكافِرينَ للمُؤْمِنينَ واسترذالِهِم إِيّاهُمْ بازدراءِ العينِ، يُشيرُ مِنْ وَجْهٍ إلى أَنَّ المُؤْمِنينَ كانوا حاضِرينَ في المَوقِفِ الذي ازدراهم الكافِرونَ فيهِ، وذلك ببساطةٍ لأَنَّ مُتَّكَأَ الكافرينَ في الازدراءِ كانَ النظرَ والرؤيةَ. وقد عَبَّرَ الكتابُ العزيزُ عن هذا بلفظَيْنِ دالَّيْنِ على الرؤية: {وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلا الذينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْي} ِ. فإِذا كانَ الكافِرونَ هُمْ مَن قالَ أَوَّلًا عن المؤمِنينَ: (لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خيرًا) ، فإِنَّهُ قولٌ صادِرٌ مِن الكافرينَ عن المؤمِنينَ في حَضرةِ المؤمِنينَ وسماعِهِم. وقد يَقِفُ شاهِدًا على صِحَّةِ القولِ بِذلك، بعضُ خطابٍ للكافِرينَ وارِدٍ في مُستَهَلِّ الموقِفِ الماثلِ في الآيةِ (27) ، إِذْ إِنَّهُمْ لم يُخاطِبوا نوحًا وحدَهُ بصيغةِ الإفرادِ، بل نوحًا والمؤمِنين بصيغةِ الجمع: (وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبين) . إِذَنْ، فالمؤمِنونَ كانوا حاضِرين.
ويَتَرَتَّبُ على هذا أَنْ يُقالَ: مهما يَكُنْ مِن أَمْرٍ، فإِنَّ الذي سَوَّغَ استعمالَ (قالَ لِ) مَتبوعًا بِمَقولٍ"عنهُ"لا"لَه"، هو حُضورُ المَقولِ عنهُ في المكانِ الذي قيلَ في حقِّهِ ما قيلَ.
وإِذا افترَضْنا أَنَّ الجملةَ:"لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خيرًا"مِن عندِ نوحٍ، ليسَ يَحكيها، فَلِماذا اختارَ أنْ يَقولَ ذلك دونَ غيرِهِ؟ لماذا لَمْ يَقُلْ شيئًا غيرَهُ؟ إِنَّ إصرارَ نوحٍ - عليهِ الصلاةُ والسلامُ- على أَن لا يَقولَ"لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خيرًا" [1] ، يَشي بَأَنَّ غيرَهُ هو مَنْ قالَ الجملةَ، أو أَنَّ غيرَهُ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَقولَها، وهم الكافِرونَ طبعًا. والكلامُ الذي يَعْقِبُ هذا يُرَجِّحُ ما نَقول:"اللهُ أَعْلَمُ بِما في أَنْفُسِهِمْ إِنّي إِذَنْ لَمِنَ الظالِمينَ"، أَيْ: لن أَعْتَمِدَ على حالِ المُؤْمِنينَ الخارِجيَّةِ، ومنظرِهِم البادي، فأَحْكُمَ عليهِمْ وأقولَ
(1) . إشارة إلى ما جاء في الآية:"ولا أقولُ للذينَ تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا".