أَقولُ: إِنَّ هذا البحثَ - بِحَقٍّ- تَمْهيديٌّ، ولم يَكُنْ في مُكْنَةِ المَرْءِ أَنْ يَتَجاوَزَهُ إِلى وَضْعِ قَواعِدَ تَكونُ واصِفَةً ضابِطةً نَقْلَ الكلامِ في اللسانِ العربيِّ، شارِحةً آلِيّاتِهِ شامِلَةً استراتيجِيّاتِهِ، على غِرارِ ما نَجِدُهُ ماثِلًا في اللغاتِ الأُخرى. ذلك أَنَّني أَظُنُّ أَنَّ قواعِدَ الكلامِ المَنقولِ المُتَوَصَّلَ إِليها في تلك اللغاتِ -سواء كانَتْ قَواعِدَ لنقلِ الكلامِ بِلفظِهِ ونَصِّهِ، أو بِمَعْناهُ دونَ لفظِه-، لم تَسْتَقِرَّ على يَدِ باحِثٍ واحِدٍ إِليهِ يُمْكِنُ عَزْوُ تلك القواعِدِ. بل الرّاجِحُ أَنَّها ما قَرَّت وما أُقِرَّتْ إِلا بِجُهودِ طوائفَ عِدَّةٍ مِن الباحِثينَ.
يَذهَبُ سيبويه في باب (الأفعال التي تُستَعْمَلُ وتُلغى) إلى أنَّ (قُلتُ) "إنَّما وَقَعَت في كلامِ العربِ على أنْ يُحكى بها، وإنَّما تَحكي بعدَ القولِ ما كانَ كلامًا لا قول، نحو: (قُلتُ: زيدٌ منطلِقٌ) ، لأنَّهُ يَحسُنُ أنْ تقولَ: (زيدٌ منطلِقٌ) ولا تَدخُلُ (قُلتُ) . وما لم يَكُنْ هكذا أُسقِطَ القولُ عنهُ" [1] . ولقد وَظَّفَ ابنُ جنّيّ هذا النصَّ ليُشيرَ إلى أنَّ الكلامَ ما كانَ مِن الألفاظِ قائمًا برأسِهِ، مستقِلا بمعناه، وأنَّ القولَ بخلافِ ذلك [2] .
والذي يَبدو للمرءِ أنَّ ابنَ جنّيٍّ لم يَلتفِتْ في نصِّ سيبويهِ السالفِ إلا إلى ما يعنيهِ منه حَسْبُ، بالقَدْرِ الذي يُسعِفُهُ بهِ هذا النصُّ على المسألة التي تَشغَلُهُ، وهي مسألةُ إقامةِ فرقٍ حاسمٍ بينَ القولِ والكلامِ.
غيرَ أنَّ أهمَّ ما في ذلك النصِّ - فيما أحسبُ- أمرٌ آخَرُ لم يَنْشَغِلْ بِهِ ابنُ جنّيّ. فإذا رجعنا البصَرَ في كلامِ سيبويهِ كَرَّةً أخرى، ألفينا مسألةَ التفريقِ فيهِ
(1) . سيبويه، الكتاب: 1/ 122.
(2) . ابن جني، الخصائص: 1/ 20.