فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 72

لأنَّكَ إذا توقَّفتَ عندَ (هكذا) ، حينَ تدوينِكَ الحديثَ كتابةً، فإنَّها لن تَفِيَ بغرضِ الإفصاحِ عن كيفيَّةِ"القول بالثوب": على أيِّ صورةٍ تَمَّتْ، وبأيِّ هَيئَةٍ وَقَعَت، وعلى أيِّ جُزءٍ مِن الثوبِ سَقَطَت. وقد يَتَرَتَّبُ على هذا لبسٌ يَحولُ دونَ إتمامِ الحديثِ وتأديتِهِ وفقَ صورتِهِ الأصليَّةِ التي عليها وَرَدَ.

وقد يَصِحُّ القولُ: إِنَّ راويَ هذا الحديثِ، تَحديدًا، قد تَرَكَ أمرَ نقلِ تلك الحركةِ، مِن المستوى الشفاهيِّ إلى المستوى الكتابيِّ، اعتِمادًا على أَنَّها مِن الحَرَكاتِ المُشتهرةِ التي تَعارَفَ عليها أبناءُ البيئةِ اللغويَّةِ الواحدة. وقد يَقصِدُ ناقلُ الحديثِ، في أحيانٍ أخرى، إلى عَدَمِ ترجمةِ الحركةِ ترجمةً لغويَّةً لفظيَّةً، وذلك عندَما لا يَكونُ في الأمرِ ما يَدْعو إلى اللبس. كقولِهِ في الحديثِ:"... ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قالَ بِيَدِهِ الأرضَ، فَمَسَحَها بِالتُّرابِ، ثُمَّ غَسَلَها ..." [1] . فـ (قالَ) الفعليَّةُ هنا ليست"مُمَثَّلةً"لغويًّا، لأنَّ"قالَ بِيَدِهِ الأرضَ"لا تُحيلُ الذِّهنَ في هذا السياقِ إِلا إِلى ضربِ الأرضِ باليد، بِمَعْنى: أَهْوى بِها. وكذا في:"فَقالَ بِالماءِ عَلى يَدِهِ" [2] ، أي: سَكَبَ وصَبَّ.

ومِن الحَقِّ أَنْ نَذْكُرَ أَنَّ التعبيرَ عن الفعلِ بِالقولِ ما يَزالُ سائرًا في الاستعمالِ في بعضِ اللهجاتِ العربيَّةِ اليومَ، حيثُ كثيرًا ما نَسْمَعُ فيها: (قول بإيدَكْ هيك) ، أي: افعلْ بِيَدِكَ هكذا. و: (شوف كيف بِتْقول بْراسْها) ، أي: انظر كيفَ تُحَرِّكُ رَأسَها.

القضيَّةُ الخامسةُ: حقيقةُ"إِجراءِ القولِ مجرى الظَّنِّ"

(1) . البخاري، صحيح البخاري، كتاب الغُسل، باب المَضْمَضة والاستنشاق في الجنابة.

(2) . ابن منظور، لسان العرب: (قول) . ولم أعثر عليه في كتب الصحاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت