وفي هذا تفسيرٌ لما جاءَ في الحَديثِ:"عن أبي هُرَيْرةَ قالَ: قالَ أبو القاسم - صَلّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-: في الجُمُعَةِ ساعةٌ لا يُوافِقُها عبدٌ مسلمٌ قائِمٌ يُصَلّي، فسألَ اللهَ خيرًا إلا أعطاه، وقالَ بِيَدِهِ، ووضَعَ أَنْمُلَتَهُ على بَطنِ الوُسْطى والخِنْصِرِ، قُلْنا: يُزَهِّدُها" [1] . فهو قد حَوى (قالَ) الفعليَّةَ مَتبوعةً بتفسيرِها الدراميِّ الذي هو - لا ريبَ- مِن لغةِ أحدِ الرُّواةِ وتصرُّفِهِ. والشيءُ نفسُهُ يُقالُ في الحديثِ:"ألا أخبِرُكُمْ بِخَيْرِ دورِ الأَنْصارِ، أو بِخَيْرِ الأَنْصار؟ قالوا: بَلى، يا رَسولَ اللهِ. قالَ: بَنو النَّجّارِ، ثُمَّ الذينَ يَلونَهُمْ بَنو عَبْدِ الأشْهَلِ، ثُمَّ الذينَ يَلونَهُمْ بَنو الحارِثِ بنِ الخَزْرَجِ، ثُمَّ الذينَ يَلونَهُمْ بَنو ساعِدَةَ، ثُمَّ قالَ بِيَدِهِ، فَقَبَضَ أَصابِعَهُ ثُمَّ بَسَطَهُنَّ كالرّامي بِيَدَيْهِ. قالَ: وفي دورِ الأَنصارِ كُلِّها خَيْرٌ" [2] . وقد يَكونُ داخِلًا في هذا حَديثُ عائشةَ - رَضِيَ اللهُ عَنها-:"ما كانَ لإِحْدانا إِلا ثَوْبٌ واحِدٌ تَحيضُ فيهِ، فإِذا أَصابَهُ شيءٌ مِنْ دَمٍ قالَتْ بِريقِها فَقَصَعَتْهُ" [3] .
ولكنَّ الأمرَ عينَهُ غيرُ مُنطبِقٍ عَلى الحديثِ السالِفِ، حديثِ البَزْقِ في الصلاةِ، الذي جاءَ فيهِ:"فإِنْ لم يَجِدْ قالَ بِثَوبِهِ هكذا". إِنَّ الجانبَ اللفظيَّ مِن هذا الحديثِ -لا شَكَّ- مُنْتَهٍ عندَ النطقِ بـ (هكذا) . ويُمكِنُ المرءَ أنْ يَنقُلَهُ شفاهًا بِالتوقُّفِ عند (هكذا) ، ثمَّ إتباعِها بحركة يَعْمَدُ فيها ناقلُ الحديثِ إِلى فََمِهِ أو أنفِهِ يَمْسَحُهُ بِطَرَفِ كُمِّ ثوبِهِ - مَثَلًا-، وكفى. ولكنْ، إذا ما تَجاوَزْنا المستوى اللغويَّ الشفاهيَّ للحديثِ، إلى المستوى الكتابيِّ، فإنَّ التوقُّفَ عند (هكذا) - وهو الأمرُ الواقِعُ في هذا الحديثِ- قد يَغْدُو أمرًا غيرَ كافٍ، أو قد يَبْدو أمرًا غيرَ مَقبولٍ.
(1) . السابق: كتاب الطلاق، باب الإشارة في الطلاق والأمور.
(2) . الترمذيّ، سنن الترمذي، كتاب المناقب عن رسول الله، باب ما جاء في أيّ دور الأنصار خير، 5/ 374 - 375.
(3) . ابن منظور، لسان العرب: (قصع) .