بينَ ما كانَ كلامًا وما كانَ قولًا، مسألةً فرعيَّةً وفكرةً ثانويَّةً. وأمارةُ ذلك أنَّ عنايةَ سيبويهِ توجَّهَت أولَ الأمرِ ومُفتَتَحَ النصِّ إلى طريقةِ إيقاعِ (قلتُ) في كلامِ العربِ، فكانَ أنْ ذَكَرَ أنَّ (قلتُ) إنَّما تَقَعُ"على أنْ يُحْكى بها"، ثمَّ ثَنّى بالفرقِ بَيْنَ الكلامِ والقولِ، هكذا:
1 -"اعلمْ أنَّ (قلتُ) إنَّما وَقَعَتْ في كلامِ العربِ على أنْ يُحكى بها".
2 -"وإنَّما تَحكي بعدَ القول ما كانَ كلامًا لا قولا".
فابن جنّيّ تَلَقَّفَ مِنْ سيبويهِ جزأ كلامِهِ الثاني، وهو الجزءُ الثانويُّ الأقَلُّ أهمِّيَّةً، تارِكًا الجزءَ الأوَّلَ الذي يَحوي فكرةَ الكلامِ الرئيسةَ.
صَحيحٌ أنَّ ابنَ جنّيّ يَكونُ بذلك قد التَقَطَ مَلحظًا لسيبويهِ هامًّا يَمْثُلُ فيهِ الفرقُ بينَ القولِ والكلام، فَلَفَتَ الأَنظارَ إِليه، وسَلَّطَ الضوءَ عالِيًا عليه، بيدَ أنَّهُ - في الوقتِ نفسِهِ- لم يَتَوَقَّفْ لحظةً عند مُرادِ سيبويهِ مِنْ كَونِ أنَّ (قلتُ) يُحْكى بها. وقد كانَ هذا مِن ابنِ جِنّيّ في الوقتِ الذي يَستخدِمُ فيهِ سيبويهِ (إنَّما) أجلَ التعبيرِ عن ذلك:"إنَّما وَقَعَت على أن يُحكى بها". ففي لغةِ سيبويهِ هذهِ تَحفازٌ للمرءِ ليسألَ: ما معنى أنَّكَ بـ (قلتُ) "تحكي"الكلام؟ بطريقةٍ أخرى: ما معنى الحكاية بـ (قلتُ) ؟.
مِن هذا يَستبينُ أنَّ المسألةَ الرَّئيسةَ ليست مسألةَ الفرقِ بين القولِ والكلامِ، بل إنَّها تَتَعَدّاها إلى حكايةِ الكلام. وأَجْلَ هذا فإنَّ التقاطةَ ابنِ جنِّيٍّ مِن نصِّ سيبويهِ لا تَقوى على الإجابةِ عن هذا السؤال، رغم أنَّهُ مَدارُ الاهتمامِ ومَثارُ الاستفهام.