قد يَكونُ مِن السهلِ أَنْ نستصفِيَ مِن كلامِ سيبويه، أنَّكَ إذا انتويتَ توظيفَ (قلتُ) ، وكذا جميع ما تَصَرَّفَ مِن فعلِهِ [1] نحوَ: (قالَ/قالا/قالوا، قالَتْ/قالَتا/قُلْنَ، قُلْتَ/قُلْتُما/قُلْتُم، قُلْتِ/قُلْتَما/قُلْتُنَّ، قُلْتُ/قُلْنا، يَقولُ/يقولانِ/يقولونَ ... ) ، فإِنَّ مِن الواجِبِ أنْ تأتيَ بعدَ لفظِ فعلِ القولِ بكلامٍ، أي تامٍّ. ولكنْ، هل يعني هذا أَنَّ مِن اللازمِ أنْ تنقُلَ"الكلامَ التامَّ"كما صَدَرَ مِنْ فَمِ صاحِبِهِ أو قلمِهِ، دونَ تَصَرُّفٍ أو تغييرٍ؟ هل يُريدُ سيبويهِ لِيُشيرَ إِلى ضرورةِ أَنْ يَكونَ الكلامُ الذي يأتي بهِ العربيُّ بعدَ لفظِ القولِ كلامًا منقولًا بنصِّهِ، لا أثَرَ فيهِ مِن لغةِ الناقلِ؟.
الحقُّ أَنَّ نصَّ سيبويهِ -فيما يَتَبَدّى لنا- غيرُ حاسِمٍ في هذه المسألةِ. فمَنبعُ الإشكالِ أَنَّهُ مَثَّلَ لِما يُمكِنُ نَقْلُهُ مِن كلامٍ بِ (زيدٌ مُنطلِقٌ) ، ليَقولَ إِنَّهُ ليس بِمُكنتِكَ نقلُ (زيدٌ) وحدَها، أو (مُنطلِقٌ) وحدَها. ولكنّنا لا نَعْلَمُ مِن المسألةِ غيرَ هذا القَدْرِ وإلا هذا الحَدَّ. لا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَقْطَعَ بِأَنَّ سيبويهِ يَقولُ بِإِمْكانِ نقلِ الكلامِ نقلًا يُحافِظُ على عنصُرِ المعنى دونَ الألفاظِ.
غيرَ أَنَّ المرءَ لَيَرى بِأَنَّ المَعاجِمَ اللغويَّةَ تستطيعُ سَدَّ هذه الثَّغرةِ ورَدْمَ هذه الفَجْوةِ. إِذْ تُرشِدُنا مادَّة (حكي) في المعاجمِ - على نَحوٍ فاقع- إلى أنَّ الحكايةَ، أوالمحاكاةَ، مُنْبَنِيَةٌ على المطابَقةِ في إطارِ القولِ أو الفِعْل. فأنتَ تَقولُ:"حَكَيْتُ فُلانًا وحاكَيْتُهُ"، بمعنى:"فَعَلْتُ مثلَ فِعْلِهِ أو قُلْتُ مثلَ قولِهِ سواءً لم أُجاوِزْهُ، وحَكَيْتُ عنه الحديثَ حِكايةً" [2] .
وبِناءً على هذا، قد يَكونُ سَديدًا القولُ: إِنَّ مقصدَ سيبويهِ مِن قالتِهِ تلك، هو أنَّ الفعلَ (قالَ) -وما يُحاقِلُهُ- الأصلُ فيهِ أنْ لا يَقَعَ في كلامِ العرب إلا عندَ إرادةِ نقلِ الكلامِ نقلًا"حِكائِيًّا"، أيْ على الوجهِ الذي بهِ صَدَرَ عن مُنْتِجِهِ الأوَّلِ.
(1) . سيبويه، الكتاب: 1/ 122.
(2) . ابن منظور، لسان العرب: (حكي) .