فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 72

فليس لك بعدَ (قالَ) أو (قُلْتُ) - والكلامُ على الأصلِ- إلا أنْ تَحْكيَ الكلامَ، أيْ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ على النحوِ الذي بهِ أطلَقَهُ مرسِلُهُ الأصليّ، الذي هو"المَنقولُ عنه أو المَنقولُ مِنهُ". بطريقةٍ أُخرى: ليسَ لك مِن الأمرِ سِوى أنْ تَذْكُرَ فعلَ القولِ مُسْنَدًا إلى القائِلِ المَنقولِ مِنهُ الكلامُ، ثم تورِدَ بعدَهُ كلامًا هو - بطبيعةِ الحالِ- مِن ألفاظِ غيرِكَ. ولعلَّ مِمّا يُعزِّزُ هذا الفهمَ، ما أَوْرَدَهُ سيبويهِ نفسُهُ في موضِعٍ آخَرَ حينَما قالَ:"فَ (قالَ) لا تُغَيِّرُ الكلامَ عن حالِهِ قبلَ أَنْ تَكونَ فيه (قالَ) " [1] ، وما قَرَّرَهُ ابنُ السرّاجِ في قولِهِ:"والحِكايَةُ لا تُغَيِّرُ الكلامَ عَمّا كانَ عليهِ. تَقولُ: (قالَ عمرو: إِنَّ زيدًا خيرٌ مِنك) " [2] .

وقد يَتَّفِقُ أنْ تَكونَ الألفاظُ بعدَ القولِ ألفاظَكَ، والكلامُ بعدَهُ كلامَكَ، وذلك حسبُ عندما يَكونُ القولُ صادرًا عنك في موقفٍ اتِّصاليٍّ سابقٍ، أي عندَما تَكونُ أنتَ المَنقولَ عنهُ والناقلَ له في آن. وفي هذهِ الحالِ كذلك، أنت مُضطرٌّ إلى حكايةِ كلامِكَ ونقلِهِ دونَ تغيير أو تصرُّف. ولا يُقبَلُ غيرُ ذلك مع فعلِ القولِ في لغةِ العرب. ومِن هنا جاءت عبارةُ سيبويهِ الصّارمةُ:"وما لم يَكُنْ هكذا أُسقِطَ القولُ عنهُ" [3] .

أقولُ: أَنْ يَكونَ فعلُ القولِ (قالَ) لِما نُقِلَ مِن الكلامِ حِكايةً، هو الأصل. على أَنَّهُ ينبغي أنْ لا يُفْهَمَ مِنْ هذا أَنَّ العربيَّةَ لم تعرفْ (قالَ) المُوَظَّفَ لغرضِ نقلِ الكلامِ غيرِ المَحكِيِّ (المُتَصَرَّفِ فيه) . أمارةُ هذا أَنَّ"يونُسَ"قد ذَكَرَ - في سياقِ إِجابتِهِ عن سؤالِ سيبويه المتعلِّقِ بِصِحَّةِ فتح الهمزةِ في: (مَتى تَقولُ أَنَّهُ مُنطلِقٌ؟) - أَنَّكَ"تَقولُ: قالَ عمروٌ إِنَّهُ منطلِقٌ. فإِنْ جعلتَ الهاءَ عَمْرًا أو غيرَهُ فلا تَعْمَلُ (قالَ) ، كما لا تَعْمَلُ إذا قلتَ: قالَ عمرٌو هو منطلقٌ. فَ (قالَ) لم تَعْمَلُ ها هنا"

(1) . سيبويه، الكتاب: 3/ 143.

(2) . ابن السراج، الأصول في النحو: 1/ 263.

(3) . سيبويه، الكتاب: 1/ 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت