فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 72

شيئًا وإِنْ كانت الهاءُ هي القائلَ، كما لا تَعْمَلُ شيئًا إِذا قلتَ (قالَ) وأَظْهَرْتَ (هو) " [1] ."

معنى ذلك أَنَّكَ إِذا قَصَدتَ بالهاءِ عَمْرًا في قولِكَ: (قالَ عَمْروٌ إِنَّهُ منطلِقٌ) ، كانَ كلامُ عمرٍو المنقولُ على غيرِ الوجهةِ التي بِها صَدَرَ مِنهُ، لأنَّ عَمْرًا عندَما أَخبرَكَ بانطِلاقِهِ لا جَرَمَ أَنَّهُ عَبَّرَ عن نفسِهِ بصيغةِ المتكلِّمِ: (إِنَّني مُنْطَلِقٌ) . وعليهِ فإِنَّكَ إِذا نقلتَ كلامَهُ حِكايةً قلتَ: (قالَ عَمْرٌو إِنَّني مُنْطَلِقٌ) ، وهو مِثْلُ قولِ اللهِ - جَلَّ وعلا- حِكايةً عن عيسى - عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ-: {قالَ إِنّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الكِتابَ وَجَعَلَني نَبِيًّا} [2] . وأَمّا إِذا قلتَ: (قالَ عَمْروٌ إِنَّهُ مُنْطَلِقٌ) بِعَودَةِ الهاءِ إِلى عَمْرٍو، كنتَ ناقِلًا الكلامَ بِالمعنى دونَ الالتزام بالألفاظ.

ولقد جَلّى السيرافيُّ - بشيءٍ مِن الاضطرابِ الواضحِ- السلوكَ الذي يَسْلُكُهُ الفعلُ (قالَ) في تأرجُحِ دلالتِهِ على طريقَتَي نقلِ الكلامِ: النقلِ بالألفاظِ تارةً، والنقلِ بالمعنى دونَ الألفاظ تارةً أخرى. وذلك في قولِهِ:"حَقُّ الحِكايةِ أَن تَقولَ: (قالَ عمروٌ إِنّي مُنطلِقٌ) ، وكذلك إذا قلتَ: (قالَ عمرٌو هو منطلقٌ) . فحقُّ الحكايةِ أَنْ يَقولَ: (قالَ عمرٌو أَنا مُنطلِقٌ) ، لأَنَّ هذا لفظُهُ الذي لَفَظَ بِهِ، ولكنَّهُم قد يُغَيِّرونَ لفظَ الغيبةِ إِلى الخِطابِ، ولفظَ الخِطابِ إِلى الغيبةِ، لأَنَّ ذلك أَقربُ إِلى الأَفهامِ، ولا يُعَدُّ ذلك تَغييرًا، لأَنَّ الذي يَقولُ: (إِنَّ زيدًا مُنطلِقٌ) لو واجَهَهُ لَقالَ: (إِنَّكَ مُنْطَلِقٌ) ، ولم يَكُنْ ذلك مُغَيِّرًا للكلامِ عن مِنهاجِهِ" [3] .

والجديرُ ذِكرُهُ أَنَّ النحاةَ العربَ أَفْرَدوا للحكايةِ بابًا، يُفهَمُ مِنهُ أنَّهُم يَعْنونَ بالحكايةِ"إيراد اللفظ المسموع على هيئتِهِ مِن غيرِ تغييرٍ فيهِ، أو إيراد صفتِهِ" [4] .

(1) . السابق: 3/ 142 - 143.

(2) . مريم 19: 30.

(3) . سيبويه، الكتاب: 3/ 143 (الحاشية الأولى) .

(4) . ابن هشام، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك: 4/ 251 (الحاشية الأولى) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت