فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 72

ويبدو أنَّ الحكايةَ عندَهم تَضْرِبُ في مستويَيْنِ، المستوى الأوَّل: حكاية الجمل، وهي مختصَّةٌ بالقولِ، بدليلِ قولِ ابنِ هشامٍ:"حكايةُ الجمل مُطَّرِدةٌ بعدَ القولِ، نحو: {قالَ إنّي عَبْدُ اللهِ} [1] [2] . وتنشعِبُ حكايةُ الجملِ إلى قسمين: حكاية اللفظ، وهو أنْ تحكيَ ما قالَ المتكلِّمُ الأوَّلُ بألفاظِهِ وترتيبها وهيئاتها، وإلا فهي حكاية المعنى."

وإذا أنعمتَ النظرَ فيما أرادوهُ مِن حكايةِ المعنى، وجدتَهُ لا يَتَفلَّتُ في الحقيقةِ مِن إسارِ حكايةِ اللفظِ. ذاكَ أنَّهُم نَصّوا على نوعين لحكايةِ الجملة على المعنى، يلتزِمُ الناقِلُ في كليهِما بأنْ يأتيَ بألفاظِ المنقول مِنه لا يُغادِرُها، إلا أنَّهُ في أحدِ النوعينِ يَقومُ بتقديمِ بعضِ الألفاظِ وتأخيرِ بعضِها، فيما يَجيءُ الناقِلُ ... - طَبْقًا للنوع الثاني مِنْ حكايةِ الجملِ على المعنى عندهم- بكلامِ المنقولِ مِنه بألفاظِهِ وعلى ترتيبِها، ولكنَّهُ يُغَيِّرُ هذهِ المَرَّةَ في علاماتِ إعرابِها. وأَجْلَ ذلك قد يَحِقُّ لنا إدخالُ هذين النوعينِ في زمرةِ حكايةِ اللفظ، ما دامَ الناقلُ - فيما هو مُنْكَشِفٌ- مُلتزِمًا بألفاظِ المنقولِ مِنه نفسِها، وإنْ غَيَّرَ مَرَّةً ترتيبَها، ومرَّةً علاماتِ إعرابِها.

وأمّا المستوى الثاني الذي تَطالُهُ الحكايةُ في عُرْفِهِم، فهي حكايةُ المفردات. وهو أنَّهُ"إذا قالَ لك رجلٌ: (رأيتُ رجلًا) ، قلتَ: (أيًّا؟) ، وذلك أنَّكَ أَرَدتَ أنْ تَحكِيَ كلامَهُ. فإنْ قالَ: (جاءني رجلٌ) ، قلتَ: (أيّ؟) مَوقوفةً، فإنْ وَصَلْتَ قلتَ: (أيٌّ يا فَتى؟) ، لأنَّها مَرفوعةٌ كالذي استفهمتَ عنه. فإنْ قالَ: (مَرَرْتُ برجلٍ) ، قلتَ في الوقفِ: (أيّ؟) مَوقوف [3] . كما تَقولُ في المَخفوضِ: (مَرَرْتُ بزيدٍ) ، فإنْ وَصَلتَ قلتَ: (أيٍّ يا فتى؟) [4] " [5] .

(1) . مريم 30:19.

(2) . ابن هشام، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك: 4/ 251.

(3) . هكذا.

(4) . يبدو أنَّ في الكلامِ تقديمًا وتأخيرًا مُخِلّين، إذ الأصل أنْ يُقالَ - مُساوَقةً لما سبقَ مِن كلام-:"فإنْ وَصَلتَ قلتَ: (أيٍّ يا فتى؟) كما تَقولُ في المَخفوضِ: (مَرَرْتُ بزيدٍ) ".

(5) . المبرّد، المقتضب: 1/ 570.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت