فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 72

قالوا: هم أَراذِلُنا، لن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا" [1] . فكأَنَّ قولَ نوح آتٍ على إيقاعِ:"لا أَقولُ -كما تَقولونَ أنتم لِلذينَ تَزدَري أَعْيُنُكُمْ-: لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خيرًا"، أَو:"لا أَقولُ عن الذينَ آمَنوا مِثْلَ قولِكُم عَنْهُم: لن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا"."

والذي يُلْجِئُنا إِلى أَنْ نَذْهَبَ إِلى أَنَّ جملةَ"لن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا"ليست مِن عندِ نوحٍ، وأَنَّهُ ناقِلُها -حسبُ - مِن غيرِهِ، وأَنَّها في الأصلِ مقالةٌ أَطْلَقَها الكافِرونَ في شأنِ المُؤْمِنينَ، أمران: أَمّا الأوَّل فهو أَنَّ فعلَ القولِ - فيما انتهتْ إليهِ ملاحظتُنا في بحثٍ آخَرَ نُعِدُّ له- لا يَكونُ في التنزيلِ العزيزِ إِلا لنقلِ الكلامِ بنصِّهِ. وأَمّا الأَمرُ الثاني فسياقُ الآياتِ التي يَظْهَرُ فيها نوحٌ - عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ- مُجادِلًا قومَهُ الكافِرين. فقد أَوْرَدَ الحقُّ تالِيًا للآيةِ موطنِ البحثِ: قالوا: {يا نوحُ قد جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقينَ} [2] . ومُجادَلَتُهُ إِيّاهُمْ تَعْني أَنَّهُ كانَ يُقابِلُ القولَ بِالقولِ، ويُناظِرُ الحُجَّةَ بِالحُجَّةِ، ويَرُدُّ على الرأيِ بأوفقَ مِنهُ.

وَتَفصيلُ ذلك أَنَّهُم لَمّا قالوا لَهُ في السياقِ عينِهِ: {ما نَراكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنا} [3] ، أَجابَ بِقولِهِ:) لا أَقولُ إِنّي مَلَكٌ (، وكأَنَّهُ يُلمِحُ إِلى أَنَّ ما تَوَصَّلوا إِلَيْهِ أَمرٌ بَدَهِيٌّ. ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمّا كانوا قد استحقَروا المُؤْمِنين واستصغَروهُم لِما يَبْدو للناظِرِ مِن فقرِهِم ورَثاثةِ حالِهِم، وإِنَّهُمْ لَمّا كانوا قد أَطْلَقوا عَلَيْهِمْ حُكْمًا بِالاعتِمادِ على الهيئةِ الخارجيَّةِ، حُكْمًا مُؤَدّاهُ أَنَّ مَن كانَت هذه حالَهُ، فلن يُؤْتِيَهُ اللهُ خيرًا: {وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلا الذينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبين} [4] ، أَقولُ: لَمّا كانَ ذلِكَ مِنْهُمْ رَدَّ نوحٌ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- مُدافِعًا

(1) . البغويّ، تفسير البغوي: 2/ 381.

(2) . هود 11: 32.

(3) . هود 11: 27.

(4) . السابق نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت