مِن قولِ"النيلي"السالفِ: إِنَّه لا شاهدَ على قاعدةِ مجيءِ اللامِ بمعنى (عن) إِلا الآية التي فيها"لو كانَ خَيْرًا ما سَبَقونا إِلَيْهِ". إِذ إِنَّهُ مَردودٌ بآيةِ سورةِ الأعرافِ المدروسةِ سابِقًا، وهي: { ... حَتّى إذا ادّارَكوا فيها جميعًا قالَتْ أُخراهُم لأولاهُمْ: رَبَّنا، هؤلاءِ أَضَلّونا فآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ .. } . [1] . فإِذا لم تَكُن اللامُ في (لأولاهُم) بمعنى (عن) ، على ما يُريدُهُ"عالم سُبيط النيلي"، بل بمعنى المُشافَهَةِ والتبليغِ، فكيفَ يَصِحُّ أَنْ تتوجَّهَ المجموعةُ الأَخيرةُ إلى المجموعةِ الأولى بالقولِ (رَبَّنا ... ) ؟ إِنَّ مَقولَ القولِ هنا لا يَدَع مَجالًا للشكِّ بأنَّ المقولَ لَهُ لم يَكُن (أولاهُم) المتصلَ باللام، بل هو (ربّنا) .
وسواء أَعَدَدتَ"الذينَ آمَنوا"-في آيةِ سورةِ الأَحقافِ- مَقولًا عنه أم مقولًا له، فإِنَّ فعلَ القولِ يَظَلُّ ناقِلًا كلامًا حُكِيَ حِكايةً.
3 -ولا يَخرُجُ عن هذا قولُهُ - تَعالى شَأْنُهُ- على لِسانِ نوحٍ - عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ-: {ولا أقولُ لَكُمْ عِندي خَزائِنُ اللهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلا أَقولُ إِنّي مَلَكٌ ولا أَقولُ لِلذينَ تَزْدَري أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خيرًا اللهُ أَعْلَمُ بِما في أَنْفُسِهِمْ إِنّي إِذَنْ لَمِنَ الظالِمينَ} [2] . إذْ إِنَّ الفهمَ الأوَّلِيَّ قد يُؤَدّي إِلى القولِ بِأَنَّ اللامَ في: {ولا أَقولُ لِلذينَ تَزْدَري أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خيرًا} إِنَّما هِيَ على معنى"عن"وليست التبليغيَّة، وإلا لَقيلَ:"لن يُؤْتِيَكُم". وإِذا صَحَّ هذا، ولستُ أُصَحِّحُهُ بِما نورِدُهُ لاحِقًا، فإِنَّ (قالَ) مَنظورٌ إليهِ هُنا على أَنَّهُ مُوظَّفٌ لنقلِ الكلامِ نقلًا إِخبارِيًّا.
ولكنَّ الظاهِرَ أَنَّ نوحًا"يَحْكي"هنا ما قالَهُ الكافِرونَ في حَقِّ المُؤْمِنينَ، أَيْ أَنَّهُ ناقِلٌ مَقالةً سَبَقَ أَنْ قالَها الكافِرونَ قاصِدينَ بِها المُؤْمِنينَ أَتْباعَ نوحٍ:"وذلِكَ أَنَّهُمْ"
(1) . الأعراف 7: 38.
(2) . هود 11: 31.