فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 72

جماعاتٍ. قالَ:"وعندي فيهِ وجهٌ ثالثٌ [1] : وهو أَنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعوا أَنَّ جماعةً آمَنَتْ بِرَسولِ اللهِ - صَلّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- خاطَبوا جَماعةً مِن المُؤْمِنينَ الحاضِرينَ، وقالوا لَهُمْ: لو كانَ هذا الدينُ خيرًا لَما سَبَقَنا إليهِ أولئِكَ الغائِبونَ الذينَ أَسْلَموا" [2] . ويَقْرُبُ مِن هذا رأيٌ غيرُ مَنسوبٍ أَوْرَدَهُ الألوسيُّ مُعْتَرِضًا عليهِ لأَنَّهُ خِلافُ الأَوْلى كما يَقول، مَضْمونُهُ أَنَّ الذينَ كَفَروا لَمّا سَمِعوا أَنَّ جَماعَةً آمَنَتْ، خاطَبوا جَماعَةً أُخرى مِن المُؤْمِنينَ،"أَيْ قالوا للذينَ آمَنوا: لو كانَ خيرًا ما سَبَقَنا إِلَيْهِ أولئِكَ الذينَ بَلَغَنا إيمانُهُم" [3] . مَوْطِنُ الاستِشْهادِ في هذا الرأيِ أَنَّ أصحابَهُ قد استشعروا هم أيضًا شيئًا مِن الحضورِ الفيزيائِيِّ المُتَعَيَّنِ للمَقولِ عنهُ بِطَريقةٍ ما، ولو مِن وجهٍ بعيدٍ.

وقد دَرَسَ"عالم سُبيط النيلي"هذه الآيةَ ليدحضَ قاعدةَ مجيءِ اللامِ المفردةِ بمعنى (عن) ، ويَسوقَ زعمًا مفادُهُ أَنَّها قاعدة"هباء، لأنَّها لا تملكُ شاهِدًا قرآنِيًّا على مجيءِ اللامِ بِمعنى (عن) إِلا هذا الشاهد" [4] . ورأيُهُ لا يَخرُجُ -في الحقيقةِ- عمّا أورَدَهُ كلٌّ مِن الرازي والأَلوسي. وملَخَّصُ ما يذهَبُ إِليهِ أَنَّ في الآيةِ ثلاثَ مجموعاتٍ، هي: الكافرون، والمؤمنون، والسابِقون. على اعتبارِ أنَّ (الذين سَبَقوا) هم غيرُ (الذينَ آمَنوا) ، أو أَنَّ (الذينَ سَبَقوا) "مجموعةٌ مُتَميِّزَةٌ عن مجموعةِ (الذينَ آمَنوا) " [5] .

أَقولُ: إِذا صَحَّ هذا الرأيُ هنا، وهو ما نميلُ إليه، فإِنَّهُ لا يعني أَنَّ اللامَ المفردةَ لا تَكونُ في العربيَّةِ بمعنى (عن) ، هكذا بإطلاقِ القول. وإِنّي لأَعجبُ كثيرًا

(1) . الوجه الأول: أن يكون الكلام على الخطاب ثم تحوَّلَ إلى الغيبة، والثاني: أنَّ اللام لام أجل.

(2) . الرازي، التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب: 28/ 11.

(3) . الألوسي، روح المعاني: 26/ 14.

(4) . عالم سبيط النيلي، النظام القرآني: مقدمة في المنهج اللفظي، ص 164.

(5) . السابق نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت