فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 72

الكلامَ الذي قيلَ في حقِّهِ وشأنِهِ. أمارةُ ذلك آيتا الأعرافِ السابقتانِ الثامنةُ والثلاثونَ والتاسعةُ والثلاثونَ. فقد تَقَرَّرَ أَنَّ (قالَ لِ) تأتي بِمعنى (قالَ عن) في الآيةِ (38) :"قالت أُخْراهُم لأولاهُمْ"، ولم يَكُنْ هذا لِيَصِحَّ - في ظَنّي- لولا أَنَّ (أولاهُمْ) قد كانت في المقامِ الذي أَطْلَقَتْ فيهِ (أُخْراهُمْ) كلامَها عنها. وهذا مُؤَيَّدٌ بِدَليلَيْنِ: الأوَّلُ وارِدٌ في الآيةِ (38) ، وهو اسم الإشارةِ (هؤلاء) الذي استخدمَتْهُ الطائِفةُ الأخيرةُ للإيماءِ إِلى الطائِفةِ الأولى. وأَمّا الدَّليلُ الآخَرُ فجاءَ تالِيًا في الآيةِ (39) ، حيثُ وجَدْنا (أولاهُمْ) تَرُدُّ على (أُخراهُمْ) ، وما كانَ لِيَكونَ هذا إلا بَعْدَ سماعِ (أولاهُمْ) مَقالَةَ (أُخراهُمْ) .

2 -واقرأْ قولَهُ تعالى: {وقالَ الذينَ كَفَروا لِلذينَ آمَنوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقونا إِلَيْهِ. وَإِذْ لَمْ يَهْتَدوا بِهِ فَسَيَقولونَ هذا إِفْكٌ قَديمٌ} [1] ، تَجِدْ أَنَّ المَقولَ هنا مَحكِيٌّ أيضًا على ما نُرَجِّحُ، بِدَليلِ"نا"جماعةِ المُتَكَلِّمينَ. ومع ذلك فإِنَّ جمهورَ المفسِّرينَ يَحسبونَ اللامَ في (للذينَ آمَنوا) اللامَ المُوافقةَ (عن) ، وهو الأمرُ المُسْتَتْبِعُ -في عرفِهِم- كَوْنَ"الذينَ آمَنوا"مَقولًا"عنهُم"لا"لهم". ويَستَدِلّونَ على صِحَّةِ رأيِهِم بالقولِ: إِنَّهُ لو صَحَّ حسبانُ اللامِ للتبليغِ والمُشافَهَة، لَكانَ الأَقْيَسُ أَنْ يُقالَ:"لو كانَ خيرًا ما سبقتُمونا إليه". وقد أَوْرَدَ"الطبريُّ"تفسيرَها بصيغةِ الخِطابِ لا بِالغَيْبَةِ، قالَ:"وقالَ الذين جَحَدوا نبوَّة محمَّد -صلى الله عليه وسلّم- مِن يهود بني إسرائيل للذين آمنوا به: لو كانَ تَصْديقُكُم مُحَمَّدًا على ما جاءَكُمْ بِهِ خيرًا ما سَبَقْتُمونا إلى التصديقِ بِهِ" [2] .

وقد بَدا لي أَنَّ الإِمامَ الرازي - رحمَهُ اللهُ- قد اسْتَشْعَرَ شيئًا مِن عميقِ الفهمِ، عندَما أَخَذَ الكلامَ في الآيةِ على المعهودِ مِن القولِ، فافتَرَضَ وجودَ ثلاثِ

(1) . الأحقاف 11:46.

(2) . الطبريّ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 26/ 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت