فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 72

الرازي:"اللام في قولِهِ: (لأُخْراهُمْ) [1] لام أَجْلَ، والمَعْنى: لأَجْلِهِمْ ولإِضْلالِهِم إِيّاهُمْ. (قالوا رَبَّنا هؤلاءِ أَضَلّونا) وليسَ المُرادُ أَنَّهُم ذَكَروا هذا القولَ لأولاهُمْ، لأَنَّهُمْ ما خاطَبوا أولاهُمْ، وإِنَّما خاطَبوا اللهَ - تَعالى- بِهذا الكَلامِ" [2] .

وقد تَبْدو الآيةُ التي تَتْبَعُ هذه الآيةَ أَنَّها مَعَها على وِفاق، إلا أَنَّ الحَقيقةَ أَنَّهُما مِن ناحِيَةِ طبيعةِ اللامِ ومَدخولِها على أَتَمِّ الافتِراق. إِذْ تَعودُ الآيةُ الثانِيَةُ التالِيَةُ إِلى بنيةِ القولِ الأولى، التي تَسْتَعْلي اللامُ فيها لامًا للتبليغ، ويَظْهَرُ مَدْخولُها بِوَصفِهِ مَقولًا لَهُ، وذلِكَ بسببٍ مِن طبيعةِ الضمائِرِ التي يَحْويها مَقولُ القَوْلِ. الحظ: { ... حَتّى إذا ادّارَكوا فيها جميعًا قالَتْ أُخراهُم لأولاهُمْ: رَبَّنا، هؤلاءِ أَضَلّونا فآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمونَ. وَقالَتْ أولاهُمْ لأُخْراهُمْ: فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذوقوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبون} [3] .

ويَتَقَدَّرُ لي أنَّ الطائفةَ الأخيرةَ لَمّا كانَت قد بَدَأَت الموقِفَ بالابتِدارِ إلى اتِّهامِ الطائفةِ الأولى بَأَنَّها المُتَسَبِّبَةُ في إضلالِهِم، مُتَوَجِّهَةً بِالقَوْلِ المَحكِيِّ إلى المَولى - تَنَزَّهَت أسماؤُهُ-، انْدَفَعَت الأولى -المُتَّهَمَةُ بالإضلالِ- إلى مُحاجَجَةِ الطائفةِ الأخيرةِ - المُتَّهِمَةِ إِيّاها بِالإِضلالِ- بِتَوجيهِ الكلامِ لَها، لدحضِ تَمَيُّزِها عنها، وإثباتِ المشاركةِ في العذاب. وعلى أَيِّ حال، فقد تَرَكَّبَ مَقولُ القَوْلِ في كلتا الآيتينِ على نَحْوٍ تَظَلُّ مَعَهُ وِجهةُ الكلامِ وِجهةً مَحكِيَّةً، كما لا يَخْفى.

وكثيرًا ما يُخَيَّلُ إِليَّ أَنَّ القرآنَ العظيمَ لا يُوَظِّفُ (قالَ لِ) قاصِدًا (قالَ عن) ، إِلا حينَما يَكونُ مَدخولُ اللامِ -الذي هو المَقول عنهُ- حاضِرًا الموقفَ الاتِّصاليَّ الذي بُثَّ فيهِ القولُ عَنهُ. أَعْني أَنَّ مَدْخولَ اللامِ في هذه الحال، رَغْمَ أَنَّهُ ليسَ مَقولًا لَهُ، بل مَقولًا عنهُ، إِلا أَنَّهُ ضَمَّهُ والقائِلَ مَجلِسٌ واحِدٌ، فَشَهِدَ

(1) . الصواب: (لأولاهم) .

(2) . الرازي، التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب: 14/ 61.

(3) . الأعراف 7: 38 - 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت