فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 72

"هذا"الدالُّ على القُرْبِ، مِمّا يَعْني أَنَّ ما جاءَ بهِ الرَّسولُ العربيُّ الأمينُ كانَ مَوجودًا في المَقامِ الذي قالَ الكافِرونَ في حَقِّهِ ما قالوا.

وإذا كانت آيةُ الأحقافِ هذه قد أَبانَتْ أَنَّ"طبيعةَ"المَجرورِ بِاللامِ قد تَكونُ العامِلَ الحاسِمَ في تَقريرِ كونِهِ مَقولًا لَهُ أو عنهُ، فَإِنَّ هُناكَ مِثالًا مِن آيةٍ يَظْهَرُ فيها، هذه المَرَّةَ،"معنى"المُقْتَرِنِ بِاللامِ مِعيارًا فاصِلًا بِهِ نَروزُ كونَهُ مَقولًا لَهُ أو مَقولًا عنهُ.

يَقولُ اللهُ - تَبارَكَ- عن الذينَ نافَقوا في أُحُد: {الذينَ قالوا لإِخوانِهِم وَقَعَدوا [1] : لَوْ أَطاعونا ما قُتِلوا} [2] . فإِنَّ مَعْرِفَةَ مَعْنى"الإِخوان"في الآيةِ، وتَبَيُّنَ حقيقةِ مَن يَكونون، يُؤَدّيانِ إِلى رجحانِ كونِهِمْ مَقولًا لَهُم أو عنهُم. فمعناها يَتَرَدَّدُ بينَ احتِمالَيْنِ: فَإِمّا أَنْ يَكونَ إِخوانُ المُنافِقينَ هم إِخوانُهُم في الكُفرِ والنِّفاق، وإِمّا أَنْ يَكونوا إِخوانَهُمْ في النَّسَب. فَعَلى الأوَّلِ يَكونُ"الإِخْوان"مَقولًا لَهُمْ، لأَنَّ التأويلَ وقتَئِذٍ: (قالَ المنافِقونَ لإِخوانِهِم الكافرينَ: لَوْ أَطاعَنا الذينَ قُتِلوا مع مُحَمَّدٍ ما قُتِلوا) . وعلى الثاني يَكونُ"الإِخْوانُ"مَقولًا عَنْهُمْ، ولا مَقولَ لَهُ في الظاهِرِ، والتأويلُ: (قالوا عن إِخْوانِهِمْ، أو قالوا في حَقِّ إِخْوانِهِم الذينَ استشهَدوا في أُحُد: لو أَطاعونا ما قُتِلوا) [3] .

غيرَ أَنَّ وجاهَةَ الأوَّلِ مُتَعَزِّزَةٌ مِنْ طَريقِ آيَةٍ أُخْرى مَذْكورٍ فيها صَراحَةً أَنَّ الذينَ كَفَروا هُم إِخْوانُ الذينَ نافَقوا: {أَلَمْ تَرَ إِلى الذينَ نافَقوا يَقولونَ لإِخوانِهِم الذينَ كَفَروا مِنْ أَهْلِ الكِتابِ: لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ} [4] .

(1) . هذا على إرادة"قد"، والتقدير: وقد قعدوا. أو على أنَّ العطفَ هو المراد، إذ التقدير: الذين قالوا كذا وكذا وقعدوا.

(2) . آل عمران 3: 168.

(3) . انظر: ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير: 2/ 54.

(4) . الحشر 59: 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت