أَسْتَحِبُّ في هذِهِ السبيلِ أَنْ أَلفِتَ الأنظارَ إلى أمرٍ يَطولُ عندَهُ المُكْثُ مِن التعجُّب. إذْ مَعَ أَنَّ اللهجاتِ العربيَّةَ المَحكيَّةَ اليومَ لا أَثَرَ فيها للأداةِ (أَنَّ) [1] مفتوحةِ الهمزةِ - في حدود علمي-، إلا أَنَّ الناطقينَ بها سَرْعانَ ما يلجؤونَ إلى (أَنَّ) هذه، فيَضَعونَها بعدَ القولِ، حينَما يَنتقِلونَ للتحدُّثِ بالعربيَّةِ الفصحى المعاصرة. على نحوٍ ثانٍ أَقولُ: تَقْتَصِرُ اللهجاتُ المَحكيَّةُ في الاستِعمال على (إِنَّ) ، أيْ أَنَّ الناطِقَ بِالعربيَّةِ اليومَ لا يَعْرِفُ مِن أَمْرِ (أَنَّ) شيئًا في لهجتِهِ، بل إِنَّهُ يَكتَسِبُ (إِنَّ) مِنها اكتِسابًا، فلا يُخطئُ فيها ولا يَتَعَدّاها إلى غيرِها ما دامَ استِعْمالُهُ حائمًا في فَلَك المَحْكِيَّةِ. هذا يَعني أَنَّ الناطِقَ بِالعربيَّةِ يُحِلُّ (إِنَّ) - كما هو مُتَوَقَّعٌ- مَحَلَّ (أَنَّ) في اللهجةِ، فيقول - مَثَلًا-:"عْرِفْنا إنَّكْ ..."، و"حكالي إِنُّهْ ..."، و"مِن المعروف إِنُّهْ ...".
وإذا كانَ الناطِقُ لا يَعْرِفُ في لهجتِهِ سِوى (إِنَّ) ، فإِنَّ مِن المُتَوَقَّعِ أَنْ نَجِدَهُ في لهجتِهِ يُوَظِّفُها بعدَ القولِ توظيفًا صحيحًا، فيأتي بمكسورةِ الهمزةِ بَعْدَ فِعْلِ القولِ كما تَقْضي قَوانينُ الفُصحى، فيقول صَوابًا:"قالْ أبوي إِنُّه لازم نْروحْ مَعاه". ولكنَّ ما يَفْجَأُ المرءَ كثيرًا أَنَّهُ ما إِنْ يَنتقل أَحدُهُم إلى الحديثِ بالفصحى حَتّى يَأتِيَ بـ (أَنَّ) بعدَ فعلِ القولِ، وهي التي لا أثَرَ لها في اللهجةِ!.
وعلى كثرة تأمُّلي هذه الظاهرةَ وأشباهَها، لم أجِدْ تفسيرًا لها سِوى القولِ: إِنَّ ذلك مَحكومٌ بِقاعدةٍ عامَّةٍ، يَنْضَبِطُ وِفاقًا لَها الاستعمالُ العربيُّ المُعاصِرُ، لحظةَ القيامِ بعمليَّةِ التحوُّلِ والانتِقالِ مِن المستوى اللغويِّ اللهجيِّ المُتَحَدَّثِ بِهِ اليومَ إلى
(1) . حَتى إنَّ الأدوات التي مِن المرجَّح أن تَكون (أنَّ) داخِلة في تكوينها، نجد اللهجات المحكية كثيرًا ما تستبدل (إنَّ) فيها بِ (أنّ) . فالأداة (كأنَّ) ، وهي حاضرة في اللهجات اليوم، الأكثر فيها أن تَكون: (كإنّه، كإنْها، كإنْهم، ... ) .