فهرس الكتاب
ولو أننا أعدنا إلى النظر في حديث علي الذي يتخذه المانعون من مس الجنب القرآن أو تلاوته، لوجدنا فيه: (كان النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يقضي حاجته ثم يخرج فيقرأ القرآن) ، فكيف يجتمع لهم قولان ضدان، لدليلين في آن واحد معًا، إذ إن قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) (سورة الواقعة، رقم الآية:79) .
يقضي-عندهم-بمنع مس المصحف لغير المتطهر، يستوي في ذلك المحدِثان من الحدثيْن الأصغر والأكبر، وما جاء في هذا الحديث من أنه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كان يقضي حاجته، ثم يخرج فيقرأ القرآن، يقضي بجواز القراءة للمحدث، وهل كل من يقرأ القرآن يكون حافظًا للقرآن فيقرؤه عن ظهر قلب، لكي نقول: بأن القرآن شيء والمس شيء آخر؟!
ثم هل عظمت صحائف المصحف إلا لما فيها من كلام الله سبحانه؟! فهل تُجَوّز القراءة ويمنع المس؟! لا أحسب من يريد قراءة القرآن، وهو ليس حافظًا له، إلا أن له أن يقرأ بالنظر إلى المصحف [1] ، وبالتالي مسه فلا فرق إذًا بين القراءتين، ومن يفرق بينهما يُعْوِزُه الدليلُ، ولا دليل!
ولا يغيب عن بالنا حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-المتقدم: (سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس) .
معناه: أن المسلم إذا أجنب أو: أحدث لا يصير نجسًا بهما، وإنما حكم التطهر للتعبد-كما في: (بذل المجهود) (2/ 205) [2] .
(1) -ولاسيما والرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-رغب في القراءة في المصحف فقال: (من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف) ، أخرجه أبو نعيم في: (الحلية) (7/ 209) وحسنه الألباني في: (صحيح الجامع) (رقم:2689) ، وانظر الكلام عنه بتوسع في: (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (رقم:2342) ، ونقل الحليمي في: (شعب الإيمان) عن يونس بن عبيد أنه قال: (كان خلقًا للأولين النظر في المصحف) .
وقال العلامة الفاسي-رحمه الله-: (كان الأئمة والصالحون من السلف أول ما يبدؤون به إذا أصبحوا النظر في المصحف، وكانوا يأمرون من اشتكى بصره أن ينظر في المصحف) . انظر: (تلاوة القرآن المجيد) (ص:189) للأستاذ عبد الله سراج الدين، و (نوادر الشوارد فوائد في التحقيق والتدقيق لثقافة عالية) (ص:89) .
(2) -انظر: (شرح سنن أبي داود) (1/ 527/530/رقم:68/ 35 - باب: الماء لا يجنب) لابن رسلان، و (الإيجاز في شرح سنن أبي داود) (ص:218/رقم:67) .