الصفحة 195 من 296

فيكون مرادًا بحديث عائشة-رضي الله عنها-كل عبادة إلا عبادتي الصلاة والطواف لا غيرهما ... فإن قيل: لماذا حملتم معنى كلمة: (طاهر) في حديث: (لا يمس القرآن إلا طاهر) على الإسلام، مع أنها تحتمل معنىً آخر ألا وهو الطهارة، بدليل قوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في حديث المسح على الخفين: (إني أدخلتهما طاهرتين) رواه البخاري في: (صحيحه) (206) ، ومسلم في: (صحيحه) (274/ 79) .!

فالجواب من وجهين:

أولًا: لعدم وجود دليل زائد يدل على أن المعنى المرادَ من هذا المشترَك اللغوي هو الطهارة! هاهنا.

ثانيًا: وجود دليل زائد دل على أن المراد هنا بـ (طاهر) هو المسلم لا المتطهر، وهو حديث عائشة-رضي الله عنها-المتقدم: (كان يذكر الله على كل أحيانه) .

وهناك مسألة مهمة جدًا يجدر أن تُعرف، وهي أن هذه الآية مكية، والقرآن لم يجمع في مصاحف في مكة، بل: كان جمعه في مصحف واحد في المدينة، وبعد حروب الردة، فإذا كان سبب نزول هذه الآية هو حظرَ مس المصحف، الذي دون فيه، القرآن كاملًا، فهو غير متحقِّق قطعًا؛ لأن القرآن حين نزول هذه الآية لم يكن قد جمع في المصاحف، وإن كان المحظور هو مسَّ بعض القرآن الذي كان مدونًا أجزاءً متفرقةً في الرِّقاع وغيرها [1] ، فإن المشركين على

(1) -أما حكم كتابة القرآن على الجدران: إما جدران مساجد، وإما جدران منازل وما شابهها .. فجدران المساجد اتفق الأئمة على كراهة كتابة شيء من القرآن عليها قالت المالكية: (إن كانت الكتابة في القبلة كرهت لأنها تشغل المصلي سواء كان المكتوب قرآنًا، أو: غيره، ولا تكره فيما عدا ذلك) .

وقالت الشافعية: (يكره كتابة شيء من القرآن على جدران المسجد وسقوفه، ويحرم الاستناد لما كتب فيه من القرآن بأن يجعله خلف ظهره) .

وقالت الحنابلة: (تكره الكتابة على جدران المسجد وسقوفه، وإن كان فعل ذلك من مال الوقف حرم فعله) .

وقالت الحنفية: (لا ينبغي الكتابة على جدران المسجد خوفًا من أن تسقط وتهان بوطء الأقدام) .

وقد ساق القرطبي سندًا إلى عمر بن عبد العزيز-وبين عمر ورسول الله عليه الصلاة والسلام مفاوز-أنه قال: (مر رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-بكتاب في أرض فقال لشاب من هذيل:(ما هذا؟) قال: من كتاب الله كتبه يهودي، فقال: لعن الله من فعل هذا .. لا تضعوا كتاب الله إلا موضعه). قلت: وفيه مقال.

وقال محمد بن الزبير: (رأى عمر بن عبد العزيز ابنًا له يكتب القرآن على حائط فضربه) .

أما في المنازل فممنوع أيضًا لأن القرآن لم ينزل ليعلق على الجدران، أو: على أعناق المتبرجين! والمتبرجات، وقد أطلت النفس على هذا في كتابي: (رفع الغشاوة في تحريم أخذ الأجرة على التلاوة) طبع في مكة المكرمة، سنة:1415 اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت