الصفحة 196 من 296

نجاستهم-كما قال الله تعالى: (إنما المشركون نجس) -كانوا يمسون الكتب التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يرسلها إلى الملوك ورؤساء القبائل، وفيها الآية والآيتان، وفي اللغة يطلق الكل ويراد به الجزء.

ولا شك أن قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) إن أريد به القرآن المدون في المصحف، فهو متناول الجزء اليسير منه، كالآية والآيتين، بل: والكلمةَ الواحدةَ، ولو كان ذلك مرادًا لما فات الرسولَ-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أن يجعل كتبه المرسلةَ إلى الملوك والرؤساء خاليةً من أي كلمة من القرآن، لكنه إذ لم يفعل ذلك-وهو أفصح من نطق بالضاد [1] -علمنا أن لا حظر على المشرك من مس القرآن في المصحف كله، أو: بعضه، وإذ ذلك كذلك، فأولى أن لا يكون حظرٌ من مسه على المسلم إن كان جنبًا.

وأخيرًا لا بد من التنبيه إلى أربعة أمور:

الأول: أنه لا فرق في الحكم بالجواز بين قراءة الجنب للقرآن وبين مسه القرآن، إذ القرآن قبل أن يدون في السطور، فهو محفوظ في الصدور، والتفريق بينهما تفريق لا دليل عليه، وهل من كان القرآن في صدره لا يُعد ماسًا له؟ ... الخ) [2] .

قال الإمام أبو داود في: (كتاب المراسيل) (ص:195/ 199/رقم:94/ 95/96) : (حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم [3] : أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لعمرو بن حزم [4] :(ألا لا يَمَسُّ القرآن إلا طاهر) [5] .

(1) -أما حديث: (أنا أفصح من نطق بالضاد) فباطل-كذا قال ابن كثير وغيره-لكن معناه صحيح.

انظر: (تذكرة الموضوعات) (87) ، و (الدرر المنتثرة) (23) ، و (الأسرار المرفوعة) (116/ 117) ، و (كشف الخفاء) (1/ 232) ، و (النوافح العطرة في الأحاديث المشتهرة) (ص:58/رقم:273) ، و (الفوائد المجموعة) (321) ، والنسخة التي عندي داخل زنزانتي الانفرادية بتحقيق المحدث المعلمي (ص:327) ، باب: فضائل النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

(2) -وتمام الكلام: (وإذا لم يكن هذا مسًا، فماذا يكون المس إذًا؟ وقد سبقت الإشارة إلى شيء من هذا) . انتهى من رسالة: (آية من كتاب الله تأويلها، لا يمسه إلا المطهرون) (ص:21/ 22/23/ 24/25/ 26/27/ 28) لشيخنا محمد إبراهيم شقرة.

(3) -الأنصاري القاضي المدني: ثقة، من الخامسة، مات سنة: (135 هـ) ، وهو ابن سبعين سنة. كما في: (التقريب) (2/ 196/رقم:3239 - مع التحرير)

(4) -عمرو بن حزم بن زيد بن لَوْذان الأنصاري: صحابي مشهور، شهد الخندق وما بعدها، وكان عامل النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-على نجران، مات بعد الخمسين، وقيل: في خلافة عمر، وهو وهَمٌ. كما في: (التقريب) (3/ 90/رقم:5011 - مع التحرير)

(5) -إسناده صحيح إلى مُرسِله، وهو عند مالك في: (الموطأ) (1/ 203/204) ، ومن طريقه أخرجه ابن أبي داود في: (كتاب المصاحف) (212) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت