الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين أما بعد:
هذا هو المجلس الثاني من شرح أصول فقه أهل المدينة النبوية، شرح منظومة أصول الفقه التي نظمها الفقيه أبن أبي كف المحجوب الشنقيطي رحمه الله تعالى، واليوم هو ليلة عاشوراء، وقد تحدثنا في المجلس الماضي عن تطور المذاهب الإسلامية وذكرنا كيف انقسمت المذاهب إلى مذهب أهل الحجاز وخاصة أهل المدينة، ومذهب أهل الكوفة وخاصة أهل العراق، وبينا كيف أن هذين المذهبين تفرعًا ثم تبعهم بعد ذلك مذاهب أخرى،
وأيضًا تكلمنا عن أن الإمام الشافعي هو أول من صنف في أصول الفقه، والسبب في ذلك أنه لما ذهب إلى العراق وجد أهل الرأي غالبين على أهل الحديث، فصنف لهم مصنفا قوى شوكتهم ضد أهل الرأي، ولما ذهب الإمام الشافعي إلى مصر ظهرت له أمور جديدة فكانت سبب في الخلاف بينه وبين أصحابه القدامى من تلاميذ الإمام مالك رحمه الله تعالى، ثم بينا كيف تطورت المذاهب، وكيف بدأ علم أصول الفقه عند بقية المذاهب الأخرى،
وذكرنا أن أصول الفقه أو كتب أصول الفقه تنقسم إلى قسمين:
أولا: أصول الفقهاء وهي أصول الأحناف، ثانيا: أصول المتكلمين وهم الشافعية ومن وافقهم من المالكية والحنابلة وبقيت المذاهب كالظاهرية والمعتزلة، والأشاعرة، والزيدية، فكل هؤلاء مشوا على طريقة الشافعية،
وذكرنا أيضًا أن هاتين المنصتين اختلفتا في طريقة عرض الأصول، وطريقة الفقهاء هي استقرار كلام ما، واستخراج أصوله من طريقة التفكير، بخلاف طريقة المتكلمين فهي تقرير الأصول وبناء الفروع عليها، وهذا من الناحية النظرية لأن الإمام الشافعي أول من صنف في هذا الباب وألف بيده أصولا، لكن هل يقال هذا أيضًا في المالكية والحنابلة؟ فقد يقال هذا على الظاهرية مثلًا ولكن المالكية عمدوا إلى إمامهم وحاولوا