فهرس الكتاب
2 -المانع الثاني: التأويل [1] ، أو: الفهم الخطأ للمراد من النص:
مما يعذر به المرء الفهم الخاطئ للنص، فيتأوله-مع اعتقاده أنه قد أصاب مراد الشرع-تأويلًا خاطئًا بعيدًا عن الصواب، ومناقضًا لمدلولات اللغة، وغالبًا ما يحصل مثل هذا التأويل الخاطئ في الأمور الخفية [2] .
والنص يحتمل ذلك الفهم من جهة مدلولاته اللغوية، لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الشرعية بإزالة ما أشكل عليه فهمه من النص. كالذي حصل مع الصحابي الجليل قدامة بن مظعون ونفر معه-رضوان الله عليهم أجمعين-، حيث إنهم استحلوا شرب الخمر-وهذا كفر-بناءً على فهم خاطئ للمقصود من النص، إلا أنهم بأعيانهم لم يكفروا لشبهة التأويل التي كانت عندهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-: (فإن قدامة، شربها هو وطائفة، وتأولوا قوله تعالى:(ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات) [3] .
فلما ذُكر ذلك لعمر اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على استحلالها قتلوا. وقال عمر لقدامة: أخطأت استك الحفرة، أما أنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر، وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب أن الله سبحانه وتعالى لما حرم الخمر وكان تحريمها بعد وقعة أحد، قال بعض الصحابة: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر فأنزل الله هذه الآية يبين فيها أن طعم الشيء في الحال التي لم تحرم فيها فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين الصالحين) [4] .
(1) -ليس كل تأويل يعذر صاحبه ويمنع من تكفيره، فمن كان كفره بسبب تأويل لا تحتمله معاني اللغة ولا مدلولات النص، كتأويلات الباطنية الغلاة وغيرهم، فمثل هذا النوع من التأويل لا يعذر صاحبه، ويوقعه في الزندقة والكفر البواح. انظر: (قواعد من التكفير) (ص:62) .
(2) -انظر: (العذر بالجهل وقيام الحجة) (ص:116) للأستاذ عبد المنعم، و (التأويل عند المفسرين) للدكتور طاهر عامر، و (التأويل الفاسد وأثره السيء على الأمة) للشيخ محمد الدرديري.
(3) -سورة المائدة، رقم الآية: (95) .
(4) -انظر: (الفتاوى) (11/ 403) .