فهرس الكتاب

الصفحة 590 من 1060

ويقول-رحمة الله عليه-في من يتبع أقوال الفرق المنحرفة:"وليس هذا مذهب أحمد ولا غيره من أئمة الإسلام، بل: لا يختلف قوله: أنه لا يكفر المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، ولا يكفر من يفضل عليًا على عثمان، بل: نصوصه صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم، وإنما كان يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته، لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-ظاهرة بينة، ولأن حقيقة قولهم تعطيل الخالق، وكان قد ابتلي بهم حتى عرف حقيقة أمرهم، وأنه يدور على التعطيل، وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة."

لكن ما كان يكفر أعيانهم، فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة وغير ذلك، ويدعون الناس إلى ذلك، يمتحنونهم، ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم، ويكفرون من لم يجبهم ... ومع هذا فالإمام أحمد-رحمه الله تعالى-ترحم عليهم واستغفر لهم" [1] ."

ويقول أيضًا:"فمنهم من يكفر أهل البدع مطلقًا، ثم يجعل كل من خرج عما هو عليه من أهل البدع، وهذا بعينه قول الخوارج والمعتزلة الجهمية، وهذا القول أيضًا يوجد في طائفة من أصحاب الأئمة الأربعة، وليس هو قول الأئمة الأربعة ولا غيرهم، وليس فيهم من كفر كل مبتدع، بل المنقولات الصريحة عنهم تناقض ذلك" [2] .

ويقول-رحمه الله تعالى- أيضًا-:"وأما"التكفير": فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-وقصد الحق فأخطأ: لم يكفر؛ بل: يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين: فهو كافر. ومن اتبع هواه وقصر في طلب الحق وتكلم بلا علم: فهو عاص مذنب. ثم قد يكون فاسقا وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته. فـ"التكفير"يختلف بحسب اختلاف حال الشخص فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا جاهل ولا ضال يكون كافرا" [3] .

(1) -انظر: (مجموع الفتاوى) (23/ 348 - 349) .

(2) -انظر: (منهاج السنة) (5/ 240) .

(3) -انظر: (مجموع الفتاوى) (12/ 180) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت