فهرس الكتاب
بل قال ابن حزم -رحمه الله تعالى-:"وكذلك من قال: إن ربه جسم من الأجسام، فإنه إن كان جاهلًا أو: متأولًا فهو معذور لا شيء عليه، ويجب تعليمه، فإذا قامت عليه الحجة من القرآن والسنن، فخالف ما فيهما عنادًا، فهو كافر، يحكم عليه بحكم المرتد."
وأما من قال: إن الله عز وجل هو فلان، لإنسان بعينه، أو: أن الله تعالى يحل في جسم من أجسام خلقه أو: أن بعد محمد-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-نبيًا غير عيسى ابن مريم، فإنه لا يختلف اثنان في تكفيره لصحة قيام الحجة بكل هذا على كل أحد، ولو أمكن أن يوجد أحد يدين بهذا لم يبلغه قط خلافه لما وجب تكفيره حتى تقوم عليه الحجة" [1] ."
فتأمل كيف يتحرز العلماء، وكيف يتركون فرجة في كلامهم، ولا يلزمني بالضرورة أن أقر بكلامه جملة، ولكن يستفاد منه خشية الرجل من ربه عز وجل، حيث فتح ما سده بقوله:"ولو أمكن أن يوجد أحد يدين بهذا لم يبلغه قط خلافه لما وجب تكفيره حتى تقوم عليه الحجة"، هذا هو العلم، لهذا وجدنا من يقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية-: قد أفتى الرجل في أشياء لم تكن إلا في الزمان الذي بعده! ..
وقال ابن العربي [2] -رحمه الله تعالى-:"الجاهل والمخطئ من هذه الأمة، ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركًا أو كافرًا، فإنّه يعذر بالجهل والخطأ، حتى تتبيّن له الحجة التي يكفر تاركها بيانًا واضحًا ما يلتبس على"
(1) -انظر: (الفصل في الملل والأهواء والنحل) (3/ 139) .
(2) - قال بعض الإخوة وهو يدفع هذا الكلام: ابن العربي وافق الأشاعرة في بعض أقوالهم، والأشاعرة مرجئة في باب الإيمان، فلا يقبل منه شيء في باب العذر بالجهل!!"وهذا كلام غير صحيح وموطن الخلل فيه: اعتبار العذر بالجهل من العقيدة، فالعذر بالجهل مسألة فقهية لا دخل لها في العقيدة، فنحن نتحدث عن المعين، وهذا موطن القضاء في الأفراد لا غير، وهذا ميدان القاضي أبي بكر ابن العربي، وقد رد الشيخ جمال اشتيوي -رحمه الله تعالى- في كتابه الماتع"الرد على شبهات الخوارج والتكفيريين" (ص 16) على الذي يجعل العذر بالجهل من أصل الدين و الاعتقاد حيث قال:"مسألة العذر بالجهل، فهذه مسألة فقهية ينظر فيها الفقيه، وهم يجعلونها من مسائل:"أصول الدين والاعتقاد"ومن قواطع مسائل التوحيد."اهـ، وهذا ما قرره الشيخ عمر محمود -حفظه الله تعالى- في كتابه النفيس"جؤنة المطيبين"، وهو قوي في بابه، وقد صنف في الباب كتابًا قيم بعمومه سماه صاحبه"مسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه"وجعل بابًا خاصا في أول المجلد الرابع في المسائل التي تتعلق بالأسماء والأحكام ..."