فهرس الكتاب

الصفحة 595 من 1060

والتأويل الخاطئ للنصوص الشرعية فرع من فروع الجهل بلا شك، ولا يلزم من تحقق الجهل في مسألة عينية أن نرمي صاحبها بالجهل العام، ولا العكس، فرب عالم كان جاهلا بكثير من المسائل، ورب جاهل قد أحاط ببعضها علما.

فالجهل على الحقيقة جهل بالمقصود من الخطاب الشرعي، يكون غليظا إذا رافقه عدم بلوغ الخطاب أصلا، كما أنه يتحقق عند بلوغ الخطاب وعدم بلوغ المراد منه، على التفصيل الذي ذكرناه في الفرق بين فهم المراد من الحجة وفهم الإذعان.

وعليه كان التأويل الفاسد جهلا.

وهل عذر قدامة بن مظعون ومن معه-رضي الله عنهم-إلا بتأويلهم الفاسد لنص شرعي، وهذا من سوء فهمهم لقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [1] ، فاستحلوا شرب الخمر معتقدين أنه لا جناح عليهم إذا شربوه ومنهم من شهد بدرًا، فلم يكفرهم عمر-رضي الله عنه-بهذا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-: (فإن قدامة بن مظعون شربها هو وطائفة وتأولوا قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [2] فلما ذكر ذلك لعمر بن الخطاب، اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على استحلالها قتلوا.

وقال عمر لقدامة: (أخطأت استك الحفرة) ، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر؛ وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب: أن الله سبحانه لما حرم الخمر-وكان تحريمها بعد وقعة أحد- قال بعض الصحابة: فكيف

(1) - سورة المائدة، رقم الآية: (93) .

(2) - سورة المائدة 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت