فهرس الكتاب
وهذا التفصيل قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تُتَلَقَّى هذه المسائلُ إلا عنهم. والمتأخرون لم يفهموا مرادَهم، فانقسموا فريقين: فريق أخرجوه من الملة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النار.
وفريق جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان. فأولئك غَلَوا، وهؤلاء جَفَوا، وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقولِ الوسَط الذي هو في المذاهبِ كالإسلامِ في الملل. فهاهنا كفرٌ دون كفرٍ، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم) [1] -وقول طاووس بأن ابن عباس سئل عن الذي يأتي امرأته في دبرها؟ فقال: هذا يسألني عن الكفر [2] ؟.
فالمراد بالكفر في الحديث الآنف الذكر مع هذا الأثر: الكفر الأصغر دون الكفر المخرج من الملة.
وهناك أنواع أخرى من الكفر الأصغر أعرضنا عنها لوضوحها. لكن بقي هنا أن نبين بأن كل كفر شرك، كما أن كل شرك كفر، وما يقال في الأصغر يقال في الأكبر.
وإلى هذا أشرت بقولي:
16 -كُلُّ كُفْرٍ شٍرْكٌ كَمَا كُلُّ شِرْكِ * هُوَ كُفْرٌ بِدُونِ رَيْبٍ وَشَكِّ
17 -كَافِرُ الْخَلْقِ مُشْرِكٌ لَمَّازُ * وَأَخُو الشِّركِ ظَالِمٌ كَمَّازُ
والكفر: ضد الإيمان، وهو اسم جامع للشرك وغيره كالجحود والإباء مثلا ...
قال أبو هلال العسكري:"الكفر اسم يقع على ضروب من الذنوب فمنها: الشرك بالله، ومنها الجحد للنبوة، ومنها استحلال ما حرم الله، وهو راجع إلى جحد النبوة، وغير ذلك مما يطول الكلام فيه، وأصله التغطية" [3] .
فكل شرك كفر، وليس كل كفر شركا ...
(1) -انظر: (أصول وضوابط في التكفير) (ص:37/ 38/39) .
(2) -رواه النسائي، وصححه الألباني في: (صحيح سنن النسائي) ، وفي: (آداب الزفاف) .
(3) - انظر"الفروق اللغوية" (ص 189) نقلا عن كتاب"التكفير وضوابطه"للرحيلي (ص 81) .