فهرس الكتاب
فلما فرغوا آوى كل واحد إلى مكانه ثم قال - صلى الله عليه وسلم: ليس بكريم من لم يهتز للسماع، ثم قسم رداءه على من حضر أربعمائة قطعة) [1] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ما اشتهر أن أبا محذورة أنشدهما بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه تواجد حتى وقعت البردة الشريفة عن كتفيه فتقاسمها فقراء الصفة وجعلوها رقعًا في ثيابهم، كذب باتفاق أهل العلم بالحديث، وما روي في ذلك فموضوع) .
والصوفية يعتقدون أن عليًا - رضي الله عنه - وضع قطعة منها في مرقعته، ولما مات لبسها بعده ميسرة، ثم الحسن البصري، ثم تسلسل إسناد الخرقة الصوفية [2] عنه إلى أبي العباس المرسي وأبي الحسن الشاذلي، إلى صوفية عصرنا [3] .
هذا وأمثاله إنما يرويه من هو أجهل الناس بحال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ومن بعدهم بمعرفة الإيمان والإسلام [4] ومن لم يسعه هذا فعليه بـ (موضوعات) ابن الجوزي، فقد اقتنص فيها شواردهم، وقيد أوابدهم، وفتح الباب لمن بعده ليستخرجوا من بطون الأمهات والبنات ولها (نظائر وأخوات يتيمات منثورة هنا وهناك) [5] . فلا غرو فعند غياب الوازع الديني تنطلق الشرارة، وتتكون رغبة الرئاسة والتجلي والظهور، تحت اسم شيخ الطريقة، أو محبة آل البيت - رضي الله عنهم - فاغتر البشر بهم وبكراماتهم الخيالية المبتكرة المنسوجة، وللشيخ الصوفي والأمير الروحي الحظ الأوفر في وضع واختلاق الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فهم يقولون: (الإمارة ولو على حجارة) .
فمع الرسالة لكي تعرف أن البوصيري قد خبط في بردته الخلِقة خبط عشواء، برجل عرجاء، وكلمات قاصرة عوجاء، وليس المقصود من هذا الكتاب تقييم كل أبيات البردة، لأن ذلك يكلف كثيرًا [6] ، لكن الكتاب عبارة عن
(1) -انظر: (الحاوي للفتاوي) (2/ 437) . و (كشف الخفاء) (2/ 184) .
(2) - انظر: أسانيد الخرقة في (منهاج السنة) لابن تيمية (2/ 47) (وعجوه وحشف) (ص 67) .
(3) - انظر: (السير) (23/ 226/364) للذهبي.
(4) -انظر حاشية: (السماع والرقص) (ص:23) .
(5) -انظر: (التحديث بما قيل: لا يصح فيه حديث) (ص:11) . بقلم بكر أبي زيد.
(6) -انظر على سبيل المثال قوله:
وبات إيوان كسرى وهو منصدع ... كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم
والنار خامدة الأنفاس من أسف ... عليه والنهر ساهي العين من سدم
وساء ساوة أن غاضت بحيرتها ... ورد واردها بالغيظ حين ظمي
كأن بالنار ما بالماء من بلل ... حزنًا وبالماء ما بالنار من ضرم
والجن تهتف والأنوار ساطعة ... والحق يظهر من معنى ومن كلِم
وقال أيضًا:
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على ... خير البرية لم تنسج ولم تحم
وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدروع وعن عال من الأطم
وكل هذه الخوارق المزعومة لا يصح منها شيء، وفي أبيات البردة نظائر. والله أعلم.