فهرس الكتاب
خلاف علنه، واستحسن هذا لأن النفاق شرعي وهو الاعتقادي الذي هو إبطان الكفر وإظهار الإسلام، وعرفي وهو العملي الذي هو إبطان المعصية وإظهار الطاعة، فإرادته هنا أولى. وإطلاق النفاق على العملي كإطلاق الكفر على بعض كبائر الذنوب في نحو قوله عليه الصلاة والسلام:"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" [1] وأبى الحسن البصري مرة هذا الإطلاق ومرة قال به، فسمى صاحب الكبيرة منافقًا، ويحكى أنه رجع عن الأول لما أرسل له عطاء إذ بلغه عنه ذلك أن إخوة يوسف-عليهم الصلاة والسلام-وجدت فيهم تلك الثلاثة أفتراهم منافقين؟ فسر بما نبهه عليه عطاء، وروي أن مقاتلًا قال لابن جبير: (إن هذا الحديث أفسد عليَّ معيشتي لأني أظن أن لا أسلم من هذه الثلاث أو: بعضها فضحك وقال: قد أهمني ذلك فسألت عنه ابن عمر وابن عباس فضحكا وقالا: أهمنا ذلك فسألنا عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فضحك فقال:"ما لكم وما لهن!"أما قولي:"إذا حدث كذب"فذلك فيما أنزل الله عليَّ:(والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) [2] ، وأما إذا وعد أخلف فذلك في قوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله) إلى قوله: (فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) [3] ، وأما إذا ائتمن خان فذلك فيما أنزل الله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال) إلى قوله: (ليعذب الله المنافقين والمنافقات) [4] . وأنتم برآء من ذلك).
قال ابن حجر: وما ذكر في أولاد يعقوب مبني على القول بأنهم غير أنبياء، أما على القول بأنهم أنبياء فيتعين تأويل ما صدر منهم بحمله على محامل التجوزات والكنايات التي تقتضي عدم وقوع حقائق ذلك منهم، إذ الأنبياء معصومون قبل النبوة وبعدها من كبائر الذنوب وصغائرها ولو سهوًا على ما هو الحق عند المحققين، وإن كان الأكثرون على خلافه، ويؤيد القول بنبوتهم بل: يصرح به قوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى
(1) -سبق تخريجه في أول هذا المجموع.
(2) -سورة المنافقون، الآية رقم: (1) .
(3) -سورة التوبة، رقم: (74/ 77) .
(4) -سورة الأحزاب، الآية رقم: (72/ 73) . رواه الخرائطي في: (مكارم الأخلاق) (ص:33) .