ستخرب إن وافقت أئمة آخرين، إنه كلام لا دليل عليه وما هو إلا نتيجة للصراع المذهبي الذي دارت رحاه في فترة من فترات الأمة الأمة التي غفلت فيها عن هدي ربها.
ما نريده هو أن يدرس الطالب مذهبا وأن يصاحب هذا قراءة كتب السنة مبتدءا بالصحيحين ثم السنن فإن لم يتيسر فليقرأ في كتب أحاديث الأحكام وشروحها والتي من أروعها نيل الأوطار، وهو في كل هذا غير متقيد بالمذهب إذا ما خالف النص الصحيح الصريح، لأن الله تعبدنا بشرعه لا بشرع غيره، وإن مما اتفق عليه فقهاء الإسلام مقولة شهيرة يقرأها الكثيرون وخاصة المتعصبون ولا يطبقونها وهي:"إذا صح الحديث فهو مذهبي"وقديما قال مالك بن أنس:"كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر"ومقولات الأئمة كثيرة في الحث على اتباع السنة وترك الاجتهادات المخالفة لها.
كما أن على طالب العلم أن يتنبه لمرض خطير كثيرا ما يصيب المبتدئين إذ قد تجرهم الدارسة المذهبية للتعصب لإمام على آخر مما قد يجعله يقدح فيه او يتنقص منه، فلا يجوز له أن يفضل أحدا من الأئمة تفضيلا يؤدي إلى تنقيص غيره، وقديما قال ابن عساكر:"لحوم العلماء مسمومة وعادة الله من منتقصهم معلومة".
وليس من التنقيص المذموم اعتراض بعض العلماء على بعض وتغليطهم في بعض مقالاتهم فإن ذلك أمر ممدوح في الشرع لإظهار الصواب فلا يدل على تنقيص ولا ازدراء ولا غض من منصب المعترض عليه [1] .
وليعلم طالب العلم أن الحق غير محصور في مذهب دون مذهب، فلا يستطيع أحد أن يقول بان مذهب الشافعي أو أبا حنيفة أو غيرهما قد حازا الحق وأنه لا يخرج عنهما كما يزعمه بعض المتعصبة، والمتيقن والذي يدركه كل من شم العلم أنه ما من مذهب إلا وله وعليه، وأن ما من مذهب إلا وتجد فيها من غريب المسائل والفتاوى والأقضية ما ينفر منها ويستغربها أهل العلم.
قد يقال بأن حيازة مذهب ما للحق غير ممكن ولكن يمكن أن يقال إنه بالإمكان تحديد أقرب المذاهب إلى الحق، وهذا كلام لا غبار عليه ولكن ترد عليه إشكالية تعيين الجهة المخول لها هذا التحديد، ذلك أن كل متأثر بمذهب أو منهج فقهي معين سينظر إلى
(1) انظر الفوائد المدنية 12