انقسم الناس في المذهبية على قسمين: مغالين فيها وجعلها الوسيلة الوحيدة للتفقه والقول بضرورة ووجوب التقليد وتبع هذا الحط من مقام علماء كبار دعوا إلى العودة إلى القرآن والسنة ولمزهم بشتى أنواع اللمز والازدراء وتحس من كلام بعض المقلدة المتعصبين أنه يتكلم عن حيوان أو ميتة جربة لا يمكن مسها، بل أدى الأمر ببعضهم إلى الثناء على المبتدعة على حساب أهل العلم، ويكفي أن أضرب مثالا على ذلك بما في مقالات محمد زاهد والتي أطرى فيها رجلا شيعيا مبتدعا ونقل عنه تكفيرة للإمام الشوكاني على الرغم من أن هذا الرجل حكم عليه بالقتل ردة متهما بتعاطيه السحر، وأما الشوكاني فمقامه معلوم لكن عندما دعا إلى نبذ التعصب شغب عليه المتعصبة.
والقسم الثاني مغالين في الجهة الاخرى حيث رفضوا المذاهب وعدوها بدعة لايجوز اتباع آرائها وأن الواجب هو العودة إلى القرآن والسنة، ويبدوا أن هذا التوجه كان ردة فعل لغلو المقلدة في تقليد الإئمة والتعصب لهم ولو كان على حساب القرآن والسنة.
والصواب الذي لا يصح سواه هو أن الأمر وسط بين هؤلاء وهؤلاء، فيقال:
أولا: إن المذاهب الفقهية هي حصيلة نظرات واجتهادات العلماء من لدن الصحابة إلى الآن وفيها من العلم الجم ما بفوق الوصف فشطبها بجرة قلم أو كلمة عابرة خطأ فادح لا يمكن التجرؤ عليه.
ثانيا: وجهة نظري أن الدراسة المذهبية على أي مذهب كان هي أفضل وسيلة للتفقه والتمرس في مجال العلم الشرعي الفقهي والأصولي، إذ إن الطالب يتمكن من مدرسة فقهية قد كفي خدمتها إذ ضبطت أقوال إمام المذهب وفقه وفروع المذهب، ويتناسق هذا مع منهجها الأصولي والتقعيدي فيستطيع الطالب من قياس المسائل وتخريجها على الأدلة والفروع التي ذكرها الفقهاء.
ولكن لا يعني هذا البته أن الدراسة غير المذهبية لا تجدي نفعا بل هي وسيلة سديدة أيضا للتفقه، ولكنها من وجهة نظري تبقى قاصرة عن سابقتها وهذا ما رأيته جليا في كثير من طلاب العلم ممن لم يدرسوا الفقه المذهبي.