الدور الثاني: نشوء المذهب وانتشاره (أصحاب الوجوه)
ظهر بعد ذلك ما اصطلح على تسميتهم بأصحاب الوجوه، وهم الآخذون عنه بالوساطة، كما أنهم يخرجون على المذهب ما لم ينص عليه الإمام.
ومعنى تخريج الوجوه: استنباطها من كلام الإمام، كأن يقيس ما سكت عنه على ما نص عليه لوجود معنى ما نص عليه فيما سكت عنه، سواء نص إمامه على ذلك المعنى أو استنبطه من كلامه.
أو يستخرج حكم المسكوت عنه بعد دخوله بعد عمومٍ ذكره، أو قاعدة قررها كذا في الآيات البينات لابن قاسم.
وقد تكون الأوجه باجتهاد من الأصحاب أن يستنبطوا الأحكام من نصوص الشارع، لكن يتقيدون في استنباطهم منها بالجري على طريقة إمامهم في الاستدلال ومراعاة قواعده وشروطه فيه، وبهذا يفارقون المجتهد المطلق، فإنه لا يتقيد بطريق غيره، ولا بمراعاة قواعده وشروطه.
والوجهان قد يكونان لشخصين أو لشخص، فإن كان لواحد فالراجح منهما ما عليه المعظم ترجيحًا، أو ما اتضح دليله، أو من أكثر فبترجيح مجتهد آخر اجتهادًا نسبيًا [1] .
وأصحاب الوجوه هم المراد بقولهم الأصحاب المتقدمون، ففي فتاوى ابن حجر ما لفظه:"وفي الاصطلاح أن المراد بالأصحاب المتقدمون وهم أصحاب الأوجه غالبًا، وضبطوه بالزمن، وهم من الأربعمائة، ومن عداهم لا يسمون بالمتقدمين ولا بالمتأخرين."
ويوجه هذا الإصطلاح بأن بقية هذا القرن الثالث من جملتهم السلف المشهود لهم على لسانه صلى الله عليه وسلم بأنهم خير القرون أي ممن بعدهم، فما قربوا من عصر المجتهدين خصوا تمييزًا لهم على من بعدهم باسم المتقدمين"اهـ [2] [3] ."
(1) انظر التحفة (1/ 50) والابتهاج.
(2) الفتاوى الفقهية الكبرى (4/ 63)
(3) أما الآن وقبله فيراد بالمتأخرين من بعد الشيخين (انظر الفوائد المكية 145) وقليلًا ما يراد بهم النووي والرافعي (انظر حواشي الشرواني 1/ 43)