يظهر لهم تعريف سوي لهذا الدليل إلا بعد عدة قرون وبعد جهود مظنية من التأمل والتناظر والجدل وغيرها، والسبب في هذا كله أن الإمام أبا حنيفة لم يدون أصوله الاستنباطية وفروعه الفقهية حتى ترسم الطريق واضحة لمن خلفه، بل كان يجمع تلاميذه ويضع عليهم الأسئلة ويتناقش هو وإياهم فيها، وهو أسلوب ماتع للتدريس ولا شك، ورغم وجود بعض العيوب فيه فقد تفقه على هذه الطريقة فقهاء كبار كأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وهذا الأسلوب لم يعتمده الشافعي في تدريسه بل كان يقرأ عليه تلاميذه كتبه الفقهية والأصولية تماما كما يفعل المشايخ وطلبة العلم بعد ذلك على اليوم، ولهذا عانى الأحناف معاناة شديدة في تبين ومعرفة بعض أصول وقواعد الإمام أبي حنيفة، وكان هذا هو السبب في ابتكار الطريقة الحنفية في الأصول وهي الانطلاق من الفروع إلى الأصول مخالفين بهذا طريقة المتكلمين أو الشافعية كما هو معروف.
كما أن الإمام الشافعي بفضل من الله كان الإمام الوحيد الذي أسس لمدرسة فقهية، وهذا مالا نجده عند غيره من الأئمة، ففي حين كان غيره من الأئمة منهم من يكتفي بأن يفتي الناس في المسائل الحادثة أو أن يفترض المسائل ثم يناقشها مع تلاميذه، ومنهم من اكتفى بالتصنيف في السنة، بل كان بعضهم ينهى أصحابه عن تدوين أقواله وآرائه، أما الإمام الشافعي فلم يكن كذلك بل كتب في الأصول والتي تمثل المنهج العلمي الذي يحدد مسار وكيفية والتعامل مع المنبع الصافي قرآنًا وسنة وكيفية تنزيله والاستدلال به، ثم كتب في الفروع ليطبق نظراته ومنهجه الأصولي، فكانت مصنفاته غاية في الإبداع شهد له بذلك الموالف والمخالف.
ربما كان سبب هذا التأصيل أنه وجد شيئًا من الفوضى عند البعض في طرق الاستدلال، ورأى جهلًا واضحًا في هذا المجال عند كثيرين من المحدثين الذين اقتصروا على الجانب الحديثي فقط، ولم يعيروا جانب الفقه اهتمامًا كافيا، واكتفوا بالعمل بما يصل إليهم من أحاديث فيعملون بها دون نظر لمعناها أو لمخالفة بعضها بعضًا ظاهريًا، وهذا ما تظهره العديد من القصص التي حدثت لبعض المحدثين، والتي كشفت عن جهل مطبق بالغوص في معاني النص واستلهام فقهه ومقاصده، وعدم المعرفة في كيفية التعامل معه عند تعارضه واختلافه.