الصفحة 20 من 118

ويوضح هذا أن سبب تأليف الإمام لكتابه (الرسالة) في الأصول كان بسبب رسالة من الإمام عبد الرحمن بن مهدي المحدث الشهير والذي طلب من الإمام بيان بعض الضوابط والقواعد لفهم النصوص.

كما أن الإمام الشافعي رضي الله عنه سمع وتلقى أراء لها تعلق بكيفية الاستدلال وشروطه وطرقه، فكان ولا بد -وهو الفقيه اللغوي المحنك- أن يكون له رأي فيما سمعه مستندًا لمعرفته الواسعة بالقرآن وتفسيره، ولغته، واختلاف الناس علمًا وعادة.

لقد رأى الإمام وسمع تلكم المناقشات والمجادلات بين مدرسة المدينة ومدرسة العراق، بل وتلقى وجهات نظرهم من أقطابها: مالك بن أنس ومحمد بن الحسن الشيباني، ووجد أن مع كل فريق حقًا يجب أخذه، وخطأً يجب تركه، فشق لنفسه طريقًا وسطًا، واستطاع أن يؤثر على قطاعات واسعة من الناس، بل على كبار فقهائهم ومحدثيهم كالإمام أحمد بن حنبل والذي قال:"كل مسألة ليس عندي فيها دليل فأنا أقول فيها بقول الشافعي" [1] وأبي ثور والذي كان"يتفقه بالرأي ويذهب إلى قول أهل العراق حتى قدم الشافعي بغداد فاختلف إليه ورجع عن الرأي إلى الحديث" [2] .

كما أن الإمام رأى وناظر بعض كبار المبتدعة، والذي وجد آراءهم واستنباطاتهم واستدلالاتهم لا تتفق وقواعد المنهج السوي الذي يستند إلى القرآن والسنة واللغة.

في نظري أن هذه الأسباب وغيرها هي ما جعل الشافعي يؤصل ويقعد ويصنف ويؤسس لمدرسة فقهية رائدة ملأت سمع الدنيا وبصرها من ذلك الوقت إلى يوم الناس هذا.

لقد مر الإمام الشافعي رضي الله عنه في مسيرته العلمية -بعد أن صار إمامًا- بمرحلتين:-

الأولى: المرحلة العراقية: فبعد خروجه من المدينة وذهابه إلى العراق نشر أراءه وأقواله وفتاواه، والتي عرفت فيما بعد بالمذهب القديم، وفي هذه المرحلة غالبًا ما كانت فتاواه

(1) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (1/ 56)

(2) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت