وإن مما أخذه بعضهم على الإمام أن له في كثير من المسائل قولين أو أكثر، بيد أن المطالع لكتب الأئمة يجد هذا جليًا عندهم أيضًا من لدن الصحابة فمن بعدهم.
ومثل هذا صدور قولين في وقت واحد [1] فقد ذكر العلماء أن هذا بسبب تكافؤ نظريه، وأنه دليل على سعة العلم ودقة الورع، وأن فيه حذرًا من ورطة الهجوم على ترجيح من غير اتضاح دليل، وهذا أيضا واقع من لدن الصحابة فمن بعدهم [2] .
لقد كان لتأسيس المذهب على يدي إمامه دور فعال في ثباته وانضباطه ووضوحه ويسر الطري لمن بعده ليس لأتباعه فقط بل لكل من يريد الاستنباط والنظر، بيد أن أصحابه كانوا أكثر استفادة إذ لم يعانوا كثيرا في تبين أصول الإمام وقواعده وضوابط استنباطه، وهذه مرحلة ليست بالهينة إذ إنها أخذت م بعض أتباع المذاهب الأخرى قرونا في حين أنها لم تأخذ ذلك مع الشافعية.
ولقد رزق الإمام الشافعي رضي الله عنه تلاميذ نجباء، سواء في قوله القديم أم الجديد، رووا عنه آراءه وأقواله وفتاواه وكتبه، وكان منهم عشرة اشتهروا بنقل مذهبه وأقواله: أربعة رووا عنه المذهب القديم وهم:-
1 -الحسن الزعفراني، وهو: الحسن بن محمد أبو علي البغدادي الزعفراني، قال ابن حبان في الثقات: كان راويًا للشافعي، وكان يحضر أحمد وأبو ثور عند الشافعي وهو الذي يتولى القراءة عليه، وقال الماوردي: هو أثبت رواة القديم توفي، في رمضان سنة ستين ومائتين [3] .
(1) قال الإمام وقع ذلك للشافعي رضي الله عنه في ثمانية عشر موضعًا (تحفة المحتاج 1/ 46) وأما بالنسبة لمسالة المعمول به منهما ففي مغني المحتاج (1/ 22) "وإن كان في المسألة قولان جديدان فالعمل بآخرهما، فإن لم يعلم فيما رجحه الشافعي فإن قالهما في وقت واحد ثم عمل بأحدهما كان إبطالًا للآخر عند المزني، وقال غيره: لا يكون إبطالًا بل ترجيحًا، وهذا أولى، واتفق ذلك للشافعي في نحو ست عشرة مسألة، وإن لم يعلم هل قالهما معا أو مرتبا لزم البحث عن أرجحهما بشرط الأهلية فإن أشكل توقف فيه".
(2) انظر تحفة المحتاج (1/ 46)
(3) (انظر طبقات الشافعية2/ 62وطبقات الفقهاء112)