2 -أنّ المباشر لعمل الطاعة عمله لله تعالى، فلا يصير مسلّمًا إلى المستأجر، فلا يجب الأجر عليه بخلاف بناء الرباط والمسجد، فالعمل هناك ليس بعبادة محضة بدليل أنّه يصح من الكافر (185) .
القول الثاني: ذهب المتأخرون من الحنفية (186) والمالكية (187) والشافعية (188) والحنابلة (189) والظاهرية (190) إلى جواز أخذ الأجرة على الرّقية، وهو مذهب عطاء وأبي ثور (191) عمدتهم في ذلك ما يلي:
أولًا: من السنة، استدلوا بالأحاديث التالية:
1 -قوله - صلى الله عليه وسلم- في حديث اللديغ: (( إنّ أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله ) ) (192) . والمقصود من الرّقية الطب والمداواة، وأخذ الأجرة على التداوي جائز (193) .
قال الإمام الزركشي: (يستنبط من الحديث جواز الجُعالة(194) على ما ينتفع به المريض من دواء أو رقية وإن لم يذكروه، وهو متّجه إن حصل به تعب وإلا فلا) (195) .
وقال ابن قدامة: (وإذا جاز أخذ الجُعل على الرّقية بكتاب الله جاز أخذ الأجر؛ لأنّه في معناه) (196) .
2 -ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري السابق: (( وما كان يدريه أنّها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم ) ) (197) .
قال الإمام النووي: هذا تصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر وأنّها حلال لا كراهة فيها (198) .
وأجاب المانعون أنّ ذلك كان مالًا أخذه من الحربي بطريق الغنيمة، وأنّ ذلك لم يكن مشروطًا بعينه، وما ليس بمشروط يجوز أخذه (199) .
3 -عن خارجة بن الصلت عن عمّه أنّه أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ثمّ أقبل راجعًا من عنده، فمرّ على قوم عندهم رجل مجنون موثّق بالحديد، فقال أهله: إنّا حُدثنا أنّ صاحبكم هذا قد جاء بخير فهل عندك شيء تداويه؟ فرقيته بفاتحة الكتاب، فبرأ، فأعطوني مائة شاة، فأتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، فقال: (( هل إلا هذا؟ ) )وفي رواية: (( هل قلت غير هذا؟ ) )قلت: لا. قال: (( خذها فلعمري لمن أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق ) ) (200) . فصح أنّ الأكل بالقرآن في الحق وفي تعليمه حق، وأنّ الحرام إنّما هو أن يأكل به رياء أو لغير الله تعالى (201) .