عبد الله قال: ثمّ سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن النشرة فقال: (( هو من عمل الشيطان ) ) (136) . أي فالنشرة التي هي من السحر محرّمة وإن كانت لقصد حلّه، لأنّه لا يكاد يقدر عليه إلا من عرف السحر (137) . بخلاف النشرة بالرّقية والتعوّذات والدعوات والأدوية المباحة، فهذا جائز، بل مستحب (138) . ولا ريب أنّ الاحتياط في منع حل السحر بمثله أولى؛ لأنّ في فتح هذا الباب شرًا مستطيرًا يدفع السحرة إلى التمادي والتطاول في نشر الفساد واستغلال الناس بغطاء شرعي.
مس الجن: هو الصرع (139) العارض من الجن الأجنبي الذي لا يسكن في المصروع بل يعرض له أحيانًا (140) . ولا يوجد دليل قاطع على أنّ المس الجني هو الصرع، لكنّه قد يكون علامة من علاماته وعارضًا من أعراضه.
أنواعه: المس الجني أربعة أنواع (141) :
1 -مس كلّي: وهو أن يمس الجن الجسد كلّه كمن تحدث له تشنجات عصبية.
2 -مس جزئي: كأن يمس الجن عضوًا واحدًا من الأعضاء كاليد أو اللسان.
3 -مس دائم: وهو أن يستمر الجن في الجسد مدّة طويلة.
4 -مس طائف: وهو لا يستغرق أكثر من دقائق كالكوابيس. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) } (142) .
وقد أنكر طائفة من المعتزلة كالجبائي وأبي بكر الرازي وغيرهما دخول الجن في بدن الإنسان، وأهل السنة والجماعة يقولون: إنّ الخبيث من الجن يدخل في بدن الإنسان (143) ، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} (144) . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل قلت لأبي: إنّ قومًا يزعمون أنّ الجني لا يدخل في بدن الإنسي. فقال: يا بني يكذبون، هو ذا يتكلّم على لسانه (145) .
أسباب المس الجني: لخّص الإمام ابن تيمية هذه الأسباب فيما يلي (146) :
1 -أن يحب الجني المصروع، فيصرعه ليتمتع به، وهذا المس يكون أرفق من غيره وأسهل.
2 -وتارة يكون الإنسي آذاهم إذا بال عليهم أو صب عليهم ماء حارًا، أو يكون قتل بعضهم أو غير ذلك من أنواع الأذى، وهذا أشد المس، وكثيرًا ما يقتلون المصروع.
3 -أن يكون بطريق العبث به كما يعبث سفهاء الإنس بأبناء السبيل.