اتفق الفقهاء (10) على جواز التداوي، جاء في كتاب (( مغني المحتاج ) )للشربيني: (ويسن للمريض التداوي، وقد فعله رسول الله وهو أوّل المتوكّلين) (11) . واستدل أهل العلم على ذلك بما يلي:
أولًا: ما رواه ابن ماجة وغيره أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( تداووا عباد الله، فإنّ الله سبحانه لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً إلا الهرم ) ) (12) . والحديث عام في الدلالة على إباحة التداوي بالرُّقى وغيرها (13) .
ثانيًا: ما روي أنّ رسول الله - عليه الصلاة والسلام - احتجم (14) وأعطى الحجّام أجره (15) . قال النووي: (الحديث فيه دليل على إباحة التداوي، وإباحة الأجرة على المعالجة بالتطبّب) (16) .
وبالإضافة إلى التداوي بالأدوية المادية وسائر العقاقير، فإنّه يشرع العلاج بالرّقى المشتملة على ذكر الله تعالى وكلامه وأسمائه وصفاته، وبالأدعية المأثورة عن النبي - عليه السلام - وبالكلام الطيّب، واشترطوا لذلك شروطًا سأتحدّث عنها لاحقًا، وقد ثبتت مشروعية الرقية بالكتاب والسنة والإجماع.
أولًا. من الكتاب: أخبر الله تعالى أنّ هذا القرآن شفاء للناس، قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) } (17) . والشفاء المقصود في الآية الشفاء الحسّي من الأمراض الجسمانية، والشفاء المعنوي من الضلال والجهل، ومن الأمراض النفسية الناتجة عن القلق والفزع والاكتئاب والخوف، والروحية الناتجة عن المس والعين والحسد والسحر وما شابه ذلك.
ثانيًا. من السنة النبويّة: فقد ثبت بأسانيد قويّة أنّ النبي - عليه السلام - أقرّ الرّقية بفاتحة الكتاب والمعوِّذات (18) ، وآية الكرسي، وسورة البقرة، وغير ذلك من الأدعية التي كان يعوّذ بها نفسه وغيره من الصحابة، وقد دلّت على ذلك أحاديث كثيرة منها:
1 -ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوِّذات وينفث. قالت: فلمّا اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه، وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها (19) . فدلّ ذلك على أنّ القرآن فيه شفاء لأسقام الجسد والروح معًا، كما فيه دليل على فضل العلاج بالمعوِّذات على غيرهنّ من سور القرآن الكريم، قال الإمام ابن تيمية: (الرقية أعظم الأدوية فإنّها دواء روحاني) (20) .