اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 100] ، والقرآن أمر المسلمين أن يحكموا بالإسلام كل الإسلام، وحذرهم من ترك أحكام الإسلام ولو كان حكمًا واحدًا، قال - سبحانه وتعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] . والقرآن أمر المسلمين أن يكونوا على ما كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في دعوته، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108]
3 -أما مخالفته لسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تطبيق الإسلام وتبليغه، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) [1] ، وحياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تطبيق الإسلام وتبليغه وحمل دعوته كانت مطابقة لهذا التوجه الذي فرضه الإسلام. فهو في حياة دعوته مرّ بظروف ضاغطة جدًا فلم يخضع لها، وعرضت عليه العروضات المغرية فلم يستجب لها. وودّ الكافرون لو يدهن - صلى الله عليه وسلم - في دعوته فأبى ذلك كل الإباء، وقال وهو في أشد حاجته للنصرة لوفد بني عامر بن صعصعة حين عرضوا عليه - صلى الله عليه وسلم - أيكون لهم الأمر من بعده:"الأمر لله يضعه حيث يشاء" [2] ، فلم يتنازل ولم يداهن ... ورفض المال والجاه وحتى الملك بعيدًا عن الحكم بالإسلام. ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - لم يتعامل مع البلاد التي فتحها وتغلّب عليها وطبق الإسلام فيها إلا بالإسلام، فرفض أن يترك لبعضهم صنمهم ليعبدوه، ورفض أن يعفي أحدًا منهم من الصلاة ...
4 -أما مخالفته لسنة الخلفاء الراشدين الذين أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نعضّ عليها بالنواجذ [3] ، ولما كان عليه السلف الصالح المشهود لهم بالخيرية، فإن حياتهم كانت قائمة على الجهاد وفتح البلاد وإدخال الناس في دين الله، فإذا فتحوا بلدًا طبقوا الإسلام كاملًا عليه، فلا يسمحون له بشرب الخمر سنة أو
(1) صحيح البخاري ط ابن كثير (6/ 2675)
(2) السيرة النبوية لابن كثير (2/ 158) ، والرواية بتمامها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عرض الإسلام على بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ- يُقَالُ لَهُ: بَيْحَرَةُ: أَرَأَيْتَ إنْ نَحْنُ بَايَعْنَاكَ أَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، أَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: الْأَمْرُ إلَى اللَّهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أَفَتُهْدَفُ نَحُورُنَا لِلْعَرَبِ دُونَكَ، فَإِذَا أَظْهَرَكَ اللَّهُ كَانَ الْأَمْرُ لِغَيْرِنَا! لَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِكَ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ.
وهذا يظهر جليًا أن الاستدلال بهذه الحادثة غير صحيح لأن اشتراطه أن يكون الملك له من بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - يظهر أنه لم يؤمن وإنما جاء طامعًا في الملك فنيته غير سليمة.
(3) إشارة ألى الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده ط الرسالة (28/ 367) :عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، أنه سمع العرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال:"قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم، فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعليكم بالطاعة، وإن عبدا حبشيا عضوا عليها بالنواجذ، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما انقيد انقاد"قال المحقق: حديث صحيح بطرقه وشواهده، وهذا إسناد حسن.