التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية إنما هو وسيلة لا غاية، والغاية الحقيقية من هذا التدرج هو إيجاد دولة مدنية بمرجعية إسلامية، وهذا ليس بالأمر الهين، فالأمور النظرية شيء والتطبيق العملي شيء آخر، وقد نجحت الدعوة الإسلامية في الجانب النظري نجاحًا كبيرًا إلا أنها في الجانب العملي لا تزال في أول الطريق، يقول الدكتور أحمد نوفل:"غربة الإسلام انكسرت، الدعاة تجاوزوا صلاحية الإسلام، لكنهم في الخطوات التالية لم يخطوا خطوة واحدة بعد". [1]
ومعنى أنها دولة مدنية أنها ليست دولة دينية بالمعنى الكهنوتي، والتي يدعي فيها الحاكم بأنه يحكم باسم الرب، بل هي دولة قائمة على مبادئ الشورى والعدل والقانون الواضح الذي يطبق على الجميع دون تمييز، يقول العلامة يوسف القرضاوي:"لا يعرف الإسلامُ (الدولةَ الدينية) بالمفهوم الغربي، أي الدولة (الكهنوتية) ، أو (الثيوقراطية) ، التى تعتمد على (الحق الإلهى) ، وتقوم على مناكب رجال الدين، الذين يتميزون عن سائر الجماهير بأنّ ما حلُّوه في الأرض هو محلول في السماء، وما عقدوه في الأرض هو معقود في السماء."
إن الحاكم أو الأميرَ أو الخليفة في الإسلام وكيلٌ عن الأمّة، أو أجير عندها، وليس مسلطا على رقابها، كما أثِر عن أبى بكر - رضي الله عنه - أنه قال في أول خطبة له بعد توليه الخلافة: أيها الناس، إنى وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتمونى على حق فأعينوني، وإن رأيتمونى على باطل فسدِّدوني، أطيعونى ما أطعتُ الله فيكم، فإنْ عصيتُ فلا طاعة لى عليكم. [2]
وكما قال بعضُهم لعمرَ - رضي الله عنه: اتقِ اللهَ يا بنَ الخطاب فأنكر بعضُ أصحابه، وقال: كيف تقول ذلك لأمير المؤمنين؟ فقال عمر: دعْه يقلْها، لا خيرَ فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها!
ودخل أبو مسلم الخولاني الفقيه التابعى الكبير على معاوية - رضي الله عنه - في خلافته وقال: السلام عليك أيها الأجير. فقال جلساؤه: بل قل: السلام عليك أيها الأمير. قال: بل السلام عليك أيها الأجير. وكرروا كلامهم، وكرر كلامه، فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فهو أعلم بما يقول" [3] . [4] "
(1) حلقة التدرج في تطبق الأحكام الشرعية من برنامج الوسطية في قناة الرسالة، الرابط: http://www.alresalah.net/index.jsp?_=v 4 wsl 8#player.jsp?id=771&pid=61
(2) تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (3/ 210)
(3) معاوية بن أبي سفيان (ص: 219)
(4) مقال للعلامة يوسف القرضاوي منشور على موقعه، الرابط: http://www.qaradawi.net/2010 - 02 - 23 - 09 - 38 - 15/7/4970 - 100.html