الصفحة 16 من 36

قال ابن كثير:"قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} أي: لا يكلف أحدا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم". [1]

وتطبيق الشريعة بصورة كاملة بين عشية وضحاها فيه من الحرج ما فيه، لا لقصور الشريعة بل لعدم استيعاب الناس لهذا التغيير المفاجئ ولكثرة القوانين الوضعية المخالفة للشرع والتي تغلغلت في معاملات الناس منذ زمن بعيد، ويؤيد هذا قوله - سبحانه وتعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7] وقوله: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] ، وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78] .

ثانيًا: تطبيق النبي - صلى الله عليه وسلم - لمبدأ التدرج في أقواله وأفعاله وتعليمه للصحابة:

فمما ورد في ذلك من أقواله:

1 -قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين باب يدخل الناس وباب يخرجون) . [2]

وهذا من أصرح الأدلة على التدرج في التطبيق، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك هذا الأمر، الذي يراه الأفضل دفعًا للمفسدة التي قد تقع من المسلمين لقرب عهدهم بالإسلام، وتأثرهم بما ألفوه في بناء البيت، فيكون التغيير منفرًا لهم، ومفسدة في دينهم، فدرء المفسدة مقدم على تحقيق المصلحة [3] .

2 -عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) [4]

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ» [5]

قال ابن حجر:"والمشادة بالتشديد المغالبة يقال شاده يشاده مشادة إذا قاواه، والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب" [6]

وتطبيق الشرع الحنيف على واقع تغلغلت فيه قوانين غربية فيه مشادة ومغالبة غير محمودة قد تؤدي إلى أن نغلب فنترك تطبيق الشرع كله بدل أن نطبقه كله.

(1) تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 737)

(2) صحيح البخاري ط ابن كثير (1/ 59)

(3) التدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية، الشريف ص 57

(4) صحيح البخاري ط ابن كثير (1/ 23)

(5) مسند أحمد مخرجا (20/ 346)

(6) فتح الباري لابن حجر (1/ 94)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت