الصفحة 17 من 36

ومما ورد في ذلك من أفعاله - صلى الله عليه وسلم:

1 -ففي دعوته - صلى الله عليه وسلم - بدأ سرًا ثم جهر بالدعوة، وفي بداية الأمر دعا أهل بيته ثم الأقربين من قومه، ثم عرض نفسه على القبائل بعد أن جهر بالدعوة في مكة، ثم أقام الدولة، ثم راسل ملوك وزعماء الأمم يدعوهم للإسلام باللسان، وأرسل جيوشه لغزو من حال دون دعوته، فهل هذا إلا تدرج. [1]

2 -عدم هدم النبي - صلى الله عليه وسلم - للأصنام طوال العهد المكي من سيرته العطرة، وحتى فتح مكة.

3 -عدم منع الطواف بالبيت للمشركين والعرايا إلا بعد عام من فتح مكة:

قال ابن كثير:"لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى:"ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته". وهذا كان تصديقا وعملا بقوله - سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} الآية [التوبة: 28] [2] "

والشاهد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يمنع الطواف بالبيت للمشركين والعرايا عامًا كاملًا منذ فتح مكة مع أن العري منكر واضح، ولكنه انشغل بالأهم وهو إزالة قوة الكفر والشرك وأخر الأقل أهمية إلى أن جاء أوانه، وهذا عين التدرج.

4 -تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع المنافقين:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:"كنا في غزاة - قال سفيان مرة في جيش - فكسع [3] رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار وقال المهاجري: يا للمهاجرين فسمع ذاك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (ما بال دعوى جاهلية) . قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال (دعوها فإنها منتنة) . فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال فعلوها أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام عمر فقال يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) [4] ."

والشاهد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك قتل من يستحق القتل لأنه إن قتله في ذلك الوقت فإن ذلك سيؤدي إلى عواقب كثيرة وسيجلب الفتنة بين المسلمين، فلما افتضح رأس المنافقين افتضاحا لم يستطع أن يرفع رأسه بعد ذلك- بسبب حادثة الإفك -، فجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا أَحْدَثَ الْحَدَثَ كَانَ قَوْمُهُ هُمْ الّذِينَ

(1) انظر: التدرج في دعوة النبي، إبراهيم بن عبد الله المطلق.

(2) تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 389)

(3) كسع فلانا كسعا ضرب دبره بيده، المعجم الوسيط (2/ 787)

(4) صحيح البخاري ط ابن كثير (4/ 1861)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت