الصفحة 19 من 36

ومثله قول بن مسعود - رضي الله عنه:"مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً." [1]

فإذا كان هذا في الأقوال ففي الأفعال والقوانين من باب أولى، والناس اليوم لا يفهم كثير منهم عظمة التشريع الإسلامي في كل جوانبه، فلا بد من تعريفهم به على الوجه الأكمل، ثم تطبيقه عليهم حتى لا يتركوا ما عندهم من الدين لعدم فهمهم ما خفي عليهم منه وحكمة الشريعة فيه.

2 -موقف الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - من قتلة عثمان:

قال ابن كثير:"وَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ خَرَجَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ وَمَعَهُ قَمِيصُ عُثْمَانَ مُضَمَّخٌ بِدَمِهِ، وَمَعَهُ أَصَابِعُ نائلة التي أصيبت حين حاجفت عَنْهُ بِيَدِهَا، فَقُطِعَتْ مَعَ بَعْضِ الْكَفِّ فَوَرَدَ بِهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، فَوَضَعَهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْمِنْبَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَعَلَّقَ الْأَصَابِعَ فِي كُمِّ القميص، وندب الناس إلى الأخذ بهذا الثأر والدم وَصَاحِبِهِ، فَتَبَاكَى النَّاسُ حَوْلَ الْمِنْبَرِ، وَجَعَلَ الْقَمِيصُ يُرْفَعُ تَارَةً وَيُوضَعُ تَارَةً، وَالنَّاسُ يَتَبَاكَوْنَ حَوْلَهُ سَنَةً، وَحَثَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِهِ، وَاعْتَزَلَ أَكْثَرُ النَّاسِ النِّسَاءَ فِي هَذَا الْعَامِ، وَقَامَ فِي النَّاسِ مُعَاوِيَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعَهُ يُحَرِّضُونَ النَّاسَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ بِدَمِ عُثْمَانَ، مِمَّنْ قَتَلَهُ مِنْ أُولَئِكَ الْخَوَارِجِ ..."

وَلَمَّا اسْتَقَرَّ أَمْرُ بَيْعَةِ علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤس الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَطَلَبُوا مِنْهُ إِقَامَةَ الْحُدُودِ، وَالْأَخْذَ بِدَمِ عُثْمَانَ. فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ مَدَدٌ وَأَعْوَانٌ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ يَوْمَهُ هَذَا". [2] "

فالإمام علي - رضي الله عنه - أراد أن يطبق ما يستطيع من أحكام ويؤخر حكمًا شرعيًا وهو القصاص من قتلة عثمان - رضي الله عنه - خاصة أن ولي الدم يطالب بالقصاص، فلم يستوعب ذلك معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ومن معه، وحدث بسبب ذلك فتنة عظيمة ومعارك طاحنة لا تزال آثارها ماثلة أمامنا إلى اليوم، ونحن الآن لا بد أن نحذوا حذو الإمام علي - رضي الله عنه - ونتعلم من أخطائنا التاريخية فنعذر الحاكم إن كان قصده الإصلاح وتدرج في تطبيق الأحكام الشرعية.

رابعًا: التدرج سنة كونية وشرعية:

فسنة الله في عالم الخلق هي التدرج فحن نرى النبات يبدأ بذره ثم نبتة، ثم النبتة تورق ثم الورقة تزهر ثم الزهرة تثمر ثم الثمرة تنضج وبعدما تنضج تسقط، وهكذا لا تأتي الأمور مرة واحدة ويستمر حتى يأتي ثماره، وفي عالم الإنسان قال - سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ

(1) صحيح مسلم - دار الجيل (1/ 9)

(2) البداية والنهاية ط إحياء التراث (7/ 255)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت