وهكذا يتبع عمر أسلوب الحكمة والحسنى في تنفيذ سياسته وتطبيقا لهذه السياسة فإنه قد مهد لهذه الخطوة الحاسمة، والخطيرة بخطوات تسبقها خروجه هو أولا مما بيده من مظالم وردها إلى أصحابها، أو بيت المال، ثم اتجه إلى أبناء البيت الأموي فجمعهم وطلب إليهم أن يخرجوا مما بأيدهم من أموال وإقطاعات أخذوها بغير حق، وشهدت الأيام الأولى من خلافة عمر تجريدا واسع النطاق لكثير من أموال وأملاك بني أمية، ظلت تنمو في الماضي وتتضخم لكونهم العائلة الحاكمة ليس إلا. [1]
فطريقة عمر بن عبد العزيز المشهود له بالعدل والصلاح تشهد بأن التدرج هو الطريقة الأمثل في رد المظالم وإحقاق الحق، وإذا كان الخليفة الراشد احتاج إلى التدرج في إصلاح بعض المفاسد ولاة بني أمية مع أن دولة الخلافة قائمة وقوية والشريعة مطبقة، فكيف بحالنا اليوم وقد غيبت الشريعة هذه السنوات الطوال العجاف، وكثر المنخدعون بحضارة الغرب وكثر المتآمرون على شريعة الإسلام من بني جلدتنا؟، إننا اليوم أولى بأن نتبع الحكمة والروية في كل شأن.
يقول الدكتور محمد الزحيلي:"وهذا المنهج في التدرج لإعادة تطبيق الشريعة هو ما سار عليه كثير من الخلفاء والسلاطين والولاة في الدولة الإسلامية، سواء كان ذلك من خلفاء بني العباس كالمنصور، والرشيد، والمقتدر بالله، أم من خلفاء الدولة الأموية في الأندلس، أو غيرهم كالسلطان نور الدين الزنكي، وصلاح الدين الأيوبي وهو ما يراه بعض الحكام المسلمين في عصرنا الحاضر الذين يتجهون صوب الشريعة لتطبيقها وإعادتها إلى الحياة في بلاد المسلمين". [2]
قال الإمام ابن تيمية في حديثه عن قول الله - سبحانه وتعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] :
"فالعالم في البيان والبلاغ كذلك قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن كما أخر الله سبحانه إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله تسليما إلى بيانها، يبين حقيقة الحال في هذا أن الله يقول {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ،والحجة على العباد انما تقوم بشيئين بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله والقدرة على العمل به ... ، فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول شيئا فشيئا بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئا فشيئا ومعلوم أن الرسول لا يبلغ الا ما أمكن علمه والعمل به ولم تأت الشريعة جملة"
(1) عمر بن عبد العزيز، عَلي الصَّلاَّبي، ص 49
(2) التدرج في التشريع والتطبيق، محمد الزحيلي،82