كما يقال اذا أردت ان تطاع فأمر بما يستطاع، فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به كما أن الداخل في الاسلام لا يمكن حين دخوله ان يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها.
وكذلك التائب من الذنوب والمتعلم والمسترشد لا يمكن في اول الأمر ان يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم فانه لا يطيق ذلك وإذا لم يطقه لم يكن واجبا عليه في هذه الحال وإذا لم يكن واجبا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الامكان كما عفى الرسول عما عفى عنه إلى وقت بيانه ولا يكون ذلك من باب اقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط فتدبر هذا الأصل فإنه نافع.
ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجبا في الأصل والله أعلم". [1] "
فهذه الفتوى القيمة للإمام ابن تيمية وما استدل به في هذا المقام نحن بأمس الحاجة إلى العمل بها اليوم، فكم من مذنب يحتاج إلى توبة؟ ... وكم من حكم شرعي نعجز عن تنفيذه؟ ... وإذا كانت هذه الفتوى صدرت في وقت كان فيه للإسلام دولة، وكانت أحكام الشرع فيها مصونة فكيف حالنا اليوم؟
ويقول ابن القيم رحمه الله:"وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض؛ فهذا تأخير لمصلحة المحدود؛ فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى". [2]
يقول الشيخ مصطفى الزرقا:"فإذا لوحظ أن تطبيق عقوبة الحدود الخمسة قد أصبح متعذرًا في زمان أو مكان تطبق عندئذ عقوبة أخرى، ولا يوجب هذا ترك الشريعة جمعاء". [3]
وهذا القول من الزرقا أيضًا من باب عدم التكليف بما فوق الوسع والقدرة.
(1) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه (20/ 60)
(2) إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 14)
(3) المدخل الفقهي العام، مصطفى الزرقا،1/ 283