الصفحة 14 من 36

المطلب الثاني: القول بجواز التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية وأدلته:

وقد قال به معظم العلماء المعاصرين، وما نسب لمن توفي أو كتب قبل ثورات الربيع العربي من القول بعدم الجواز ليس دقيقًا [1] ،لأن الحال الآن يختلف عن الحال في وقتهم من حيث إن الحكام في أيامهم كانوا يحاربون الإسلام والداعين لتطبيقه ليل نهار، أما الآن فإننا نتحدث عن حالة مغايرة وهي أن يكون الحاكم من المسلمين الحريصين على تطبيق الشريعة ولكنه لا يقدر على فعل ذلك دفعة واحدة، فاختلاف الحال والزمان يجعل الفتوى تختلف كما قرر العلماء. [2]

الأدلة على القول بالتدرج:

أولًا: القرآن الكريم:

ورت آيات في القرآن الكريم تفيد معنى التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية، ومن هذه الآيات:

1 -قال - سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41] ،فقد علقت الآية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على التمكين في الأرض، أما قبل التمكين في الأرض فلا يكلف الإنسان إلا بقدر طاقته كما قال - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" [3] ،فالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف لا يكون بصورته الكاملة إلا بعد التمكين في الأرض، ومن لم يمكن له في الأرض وإن كان هو الحاكم فلا يكلف بذلك حتى يمكن فالتمكين شيء زائد على الحكم.

2 -قال - سبحانه وتعالى - في ذكر قصة موسى وهارون عليهما السلام على لسان هارون - عليه السلام: {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 94]

(1) نسب الدكتور محمد عبد الغفار الشريف القول بعدم جواز التدرج إلى بعض العلماء فقال:"وقد تكلم بعض المعاصرين حول الموضوع بين مؤيد للفكرة ومعارض، ومن المعارضين للتدرج الأستاذ سيد قطب ومحمد قطب والدكتور سعيد رمضان البوطي ويفهم من كلام الأستاذ عبد القادر عودة، ومن المؤيدين للفكرة أبو الأعلى المودودي والدكتور محمد البورنو ويفهم من كلام الدكتور القرضاوي".انظر بحثه التدرج في تطبيق الشريعة الإسلامية ص 41، وهو وإن كان معذورًا في ذلك حيث أن بحثه كتبه بتاريخ (28 محرم 1417 هـ 15/ 6/1966 م) كما ذكر، فلا يعذر الآن من فعل ذلك لأن الظروف تغيرت.

(2) انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 38) ،المادة 39 من مجلة الأحكام العدلية (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان.) وشروحها، المدخل الفقهي العام، مصطفى الزرقا،1/ 110، مدخل لدراسة الشريعة، العلامة يوسف القرضاوي، ص 200

(3) مسند أحمد ط الرسالة (18/ 42) ،وقال المحققون شعيب الأرنؤوط ومن معه:"إسناده صحيح على شرط الشيخين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت