الصفحة 15 من 36

قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية:"وأولى القولين في ذلك بالصواب، القول الذي قاله ابن عباس من أن موسى عذل أخاه هارون على تركه اتباع أمره بمن اتبعه من أهل الإيمان، فقال له هارون: إني خشيت أن تقول، فرّقت بين جماعتهم، فتركت بعضهم وراءك، وجئت ببعضهم، وذلك بين في قول هارون للقوم (يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) وفي جواب القوم له وقيلهم (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) " [1]

فهارون - عليه السلام - وازن بين مصلحة توحيد الجماعة ومصلحة أخرى وهي تغيير المنكر -وهو هنا عبادة العجل من دون الله!! - ولحاقه بموسى - عليه السلام - فأخر تغيير المنكر على عظم فداحته لمصلحة أولى وهي توحيد الأمة إلى أن يرجع موسى ويقوم بتغيير المنكر بنفسه.

3 -قال - سبحانه وتعالى - في قصة شعيب - عليه السلام: {قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] ، قال ابن كثير:"إنما مرادي إصلاحكم جهدي وطاقتي" [2] ، وهذا شأن كل داعية وكل حاكم مسلم أن يحاول إصلاح أمور الناس بقدر استطاعته، وما لا قدرة له عليه فلا يكلف به.

4 -قال - سبحانه وتعالى - في قصة يوسف - عليه السلام: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33] .

فيوسف - عليه السلام - وازن بين أمرين أحلاهما مر، وازن بين الفتنة والفاحشة من جهة وبين السجن من جهة أخرى ففضل السجن على الرذيلة، وموطن الشاهد أننا إن خيرنا بين شرين نختار أقلهما، إن خيرنا بين أن نترك الحكم للعَلمانيين يحكموننا بقوانين لا تمت للإسلام بصلة، وبين أن نَحْكُم نحن بالإسلام ولو جزئيًا حتى يتسنى لنا فيما بعد الحكم بالشرع بشكل تام، اخترنا خوض تجربة الحكم، وطبقنا ما نقدر عليه من أحكام الشريعة، ولا نقول إما أن نطبق الشريعة كلها أو نتركها كلها!!.

5 -قال - سبحانه وتعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286]

وقد ثبت في صحيح مسلم، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"قال الله: نعم". [3]

(1) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (18/ 359)

(2) تفسير ابن كثير ت سلامة (4/ 344)

(3) عن ابن عباس، قال:"لما نزلت هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] ، قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا"قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله - سبحانه وتعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] "قال: قد فعلت" {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] "قال: قد فعلت" {واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا} [البقرة: 286] "قال: قد فعلت". صحيح مسلم (1/ 116) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت