أي أن التدرج في التشريع دليل على مشروعية التدرج في التطبيق؛ لأن العلة في الحالتين واحدة والقصد فيهما واحد. [1]
والاستدلال بتجربة واقعية من عالم وحاكم عادل مثل عمر بن عبد العزيز له وزنه، ويجعلنا نحذوا حذوه لنصل إلى ما وصل إليه من تحقيق للعدل ونصرة للمظلوم على ظالمه، وقد اعتمد عمر بن عبد العزيز على أمرين أساسين في التغيير:
الأمر الأول: أنه بدأ بنفسه: فلَمَّا رَدَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَظَالِمَ قَالَ: إِنَّهُ لَيَنْبَغِي أَنْ لا أَبْدَأُ بِأَوَّلَ مِنْ نَفْسِي [2] ، وهذا الفعل جعله قدوة للآخرين [3] .
الأمر الثاني: رأى عمر بن عبد العزيز أن أبناء عمه من الأمويين أدخلوا الكثير من مظاهر السلطان التي لم تكن موجودة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو خلفائه الراشدين فباع هذه الزينة، وضم ثمنها إلى بيت مال المسلمين. [4]
وجاءه ابنه عبد الملك يومًا يطالبه بالإسراع باستخلاص ما بأيدي الأمويين من مظالم، فقال: يا بني، إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى ما أريد مكايدتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقا تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يهراق في سببي محجمة من دم، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحي فيه سنة حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين؟
وقال له ولده عبد الملك يومًا: ما يمنعك أن تمضي الذي تريد؟ فوالذي نفسي بيده ما أبالي لو غلت بك وبي القدور، قال: وحق هذا منك؟، قال: نعم والله، قال عمر: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من يعينني على أمر ديني إني لو باهت الناس بالذي تقول لم آمن أن ينكروها، فإذا أنكروها لم أجد بدا من السيف ولا خير في خير لا يجيء إلا بالسيف، يا بني، إني أروض الناس رياضة الصعبة، فإن بطأ بي عمر أرجو أن ينفذ الله مشيئتي وأن تعدو منيتي فقد علم الله الذي أريده.
(1) مجلة البيان العدد 303 ذو القعدة 1433 هـ، سبتمبر - أكتوبر 2012 م، العدد: 303، مقال للدكتور عطية عدلان بعنوان: تحكيم الشريعة .. التدرُّج لا التسويف
(2) الطبقات الكبرى ط العلمية (5/ 263)
(3) عمر بن عبد العزيز معالم التجديد والإصلاح الراشدي على منهاج النبوة، عَلي محمد محمد الصَّلاَّبي، دار التوزيع والنشر الإسلامية، مصر، الطبعة: الأولى، 1427 هـ - 2006 م، ص 41
(4) عمر بن عبد العزيز، عَلي الصَّلاَّبي، ص 48