يُعَاتِبُونَهُ وَيَأْخُذُونَهُ وَيُعَنّفُونَهُ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حينها لِعُمَر بْنِ الْخَطّابِ - رضي الله عنه:"كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ؛ أَمَا وَاَللهِ لَوْ قتلته يوم قلت لى اقتله، رعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتله؛ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: قَدْ وَاَللهِ عَلِمْتُ لَأَمْرُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَعْظَمُ بركة من أمرى". [1]
5 -اشْتَرَطَتْ ثقيف عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ، وكان رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ:"سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا". [2]
فعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بمآلهم جعله يقبل منهم هذا التدرج، ولذلك نقبل التدرج ممن ينوي تطبيق الشرع كاملًا ولا نقبل ذلك ممن ادعاه ادعاء دون نية منه لتطبيق الشرع كاملًا، والنية تظهر في الأفعال والأقوال.
6 -تعليمه - صلى الله عليه وسلم - هذا المنهج للصحابة رضي الله عنهم:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ مُعَاذًا، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ. [3]
فأمره - صلى الله عليه وسلم - أن يعلمهم بالمهم ثم الذي يليه ثم الذي يليه، ولم يأمره بأن يعلمهم كل أمور الدين جملة.
ومعلوم أن أمر العلم أيسر من العمل والتطبيق، فإذا تدرج في التعليم فأن يتدرج في التطبيق من باب أولى.
ولو أردنا تتبع سنة وسيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لوجدنا الكثير من أقواله وأفعاله وهديه تؤيد مبدأ التدرج، وما ذكرته هنا ما هو إلا أمثلة على ذلك.
1 -قال الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه:"حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكذَّب اللهُ ورسولُه". [4]
(1) الروض الأنف ت الوكيل (6/ 403) ، الرحيق المختوم (ص: 305)
(2) السيرة النبوية لابن كثير (4/ 56) ، والحديث أخرجه أبو داود، سنن أبى داود- (3/ 125)
وصححه الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (4/ 509)
(3) صحيح مسلم - دار الجيل (1/ 37)
(4) صحيح البخاري ط ابن كثير (1/ 59)