وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ فِي الدِّينِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ، وَالْكَفَاءَةُ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، فَلَا يَقْدَحُ فِيهَا الْفِسْقُ إلَّا إذَا كَانَ شَيْئًا، فَاحِشًا بِأَنْ كَانَ الْفَاسِقُ مِمَّنْ يُسْخَرُ مِنْهُ، وَيُضْحَكُ عَلَيْهِ، وَيُصْفَعُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُهَابُ مِنْهُ بِأَنْ كَانَ أَمِيرًا قَتَّالًا يَكُونُ كُفْئًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْفِسْقَ لَا يُعَدُّ شَيْئًا فِي الْعَادَةِ، فَلَا يَقْدَحُ فِي الْكَفَاءَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْفَاسِقَ إذَا كَانَ مُعْلِنًا لَا يَكُونُ كُفْئًا، وَإِنْ كَانَ مُسْتَتِرًا يَكُونُ كُفْئًا. [1]
وَمِنْهَا الْمَالُ، فَلَا يَكُونُ الْفَقِيرُ كُفْئًا لِلْغَنِيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّفَاخُرَ بِالْمَالِ أَكْثَرُ مِنْ التَّفَاخُرِ بِغَيْرِهِ عَادَةً، وَخُصُوصًا فِي زَمَانِنَا هَذَا؛ وَلِأَنَّ لِلنِّكَاحِ تَعَلُّقًا بِالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ تَعَلُّقًا لَازِمًا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِدُونِ الْمَهْرِ، وَالنَّفَقَةُ لَازِمَةٌ، وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالنَّسَبِ وَالْحُرِّيَّةِ، فَلَمَّا اُعْتُبِرَتْ الْكَفَاءَةُ ثَمَّةَ، فَلَأَنْ تُعْتَبَرَ هَهُنَا أَوْلَى، وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْقُدْرَةُ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا، وَالنَّفَقَةِ، وَلَا تُعْتَبَرُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَنَّ الزَّوْجَ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا، وَنَفَقَتِهَا يَكُونُ كُفْئًا لَهَا، وَإِنْ كَانَ لَا يُسَاوِيهَا فِي الْمَالِ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ
وَذُكِرَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّ تَسَاوِيهِمَا فِي الْغِنَى شَرْطُ تَحَقُّقِ الْكَفَاءَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ التَّفَاخُرَ يَقَعُ فِي الْغِنَى عَادَةً، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْغِنَى لَا ثَبَاتَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٍ، فَلَا تُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْغِنَى.
وَمَنْ لَا يَمْلِكُ مَهْرًا، وَلَا نَفَقَةً لَا يَكُونُ كُفْئًا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ عِوَضُ مَا يُمْلَكُ بِهَذَا الْعَقْدِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَقِيَامُ الِازْدِوَاجِ بِالنَّفَقَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا؛ وَلِأَنَّ مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْمَهْرِ، وَالنَّفَقَةِ يُسْتَحْقَرُ، وَيُسْتَهَانُ فِي الْعَادَةِ كَمَنْ لَهُ نَسَبٌ دَنِيءٌ، فَتَخْتَلُّ بِهِ الْمَصَالِحُ كَمَا تَخْتَلُّ عِنْدَ دَنَاءَةِ النَّسَبِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْ الْمَهْرِ قَدْرُ الْمُعَجَّلِ عُرْفًا وَعَادَةً دُونَ مَا فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ يُسَامَحُ فِيهِ بِالتَّأْخِيرِ إلَى وَقْتِ الْيَسَارِ، فَلَا يَطْلُبُ بِهِ لِلْحَالِ عَادَةً، وَالْمَالُ غَادٍ وَرَائِحٍ.
(1) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/ 320)