فهو يرى أن المقصود بالآية تبديل دين الله، وأنه ُيطمأن إلى أنه الأقرب إلى مساق الآية وسباقها وخاتمتها. إذ الآية تسجل صورة من وقاحة الشيطان بمخاطبة الباري سبحانه دون حياء عن عزمه الخبيث بإبعاد البشر عن دين الله.
أما ما ذهب إليه من إدخال كل تقصير بترك القيام بالواجبات أو اقتحام ما نهى الله عنه في الآية فبعيد لأمرين:
الأول أن الآية ختمت بقوله تعالى: فألئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا.
فرتب الحق سبحانه على من اتبع الشيطان فيما صرح بأنه عازم عليه من إغواء بني آدم، أن مأواه جهنم ولا يجد عنها ملجأ. وهذا خاص بمن كفر لا بمن ارتكب معصية أو تهاون بأمر من الأوامر الإلهية الملزمة. فيكون الأقرب أن الآية تدل على أنها لا تتناول إلا من فعل شيئا من ذلك قاصدا تغيير حكم الله، ويتلاءم هذا مع الذين تصرفوا في إبلهم تصرفا ما أنزل الله به من سلطان واعتبروا ذلك دينا وهو الذي جاء في هذه الآية فليبتكن آذان الأنعام. قال تعالى: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب < سورة المائدة آية 103>
ثانيا: إن الشيطان ما ادعى أن مكره يصل به لإغواء جميع البشر، وهو أهون وأحقر من ذلك، فسجل الله عليه: لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا. فهو يعلم أن كيده أضعف من أن يستولي على جميع البشر. ولوحمملنا الآية على تناولها لكل من عصى الله لكان ذلك مغايرا لقوله تعالى (نصيبا مفروضا) وما من عبد من عباد الله إلا وهو معرض لمخالفة شرع الله إلا من عصم الله.
و القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن نقل عن المفسرين قبله ثلاثة احتمالات في قوله تعالى وليغيرن خلق الله:
-الخصاء ومثله ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود - ويتعرض لعلة التحريم فيقول: اختلف في المعنى الذي نهي لأجله عن الوشر والتفليج، فقيل إنه من باب التدليس، وقيل: إنه من باب تغيير خلق الله كما قال ابن مسعود. وكلامه يقتضي أن ما ورد في رواية ابن مسعود_ المغيرات خلق الله) هو عند القرطبي من كلام ابن مسعود أدرجه في الحديث، وليس منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
-ما غيره الكفار باتخاذ الشمس والقمر و الأحجار والنار ونحو ذلك آلهة، وتغييرها عن الوضع الذي وضعها الله عليه من الانتفاع منها والاعتبار بها.
-دين الله. < الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 390/ 394>