فالقتال واجبٌ حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب [1] .
(1) هنا ردٌ ظاهر على منظري الهزيمة في عصرنا هذا، كبعض أدعياء الدعوة والذين يرون أن القتال في سبيل الله - كي لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله - في هذا العصر: أنه هو الفتنة بعينها والمنادين به استجابةً لأمر الله الحكيم دعاة فتنة!
ومن إمعان هؤلاء المنظّرين في الضلال أنهم نقضوا كلام الله المحكم بخزعبلات عقولهم المخمورة بسكرة الهوى وذلِّ الهزيمة، فيقولون بتبجّحٍ مؤسف؛ لا تقاتلون ولا تجاهدون أعداء الدين في هذا العصر خشيةَ وقوع الفتنة وللإبقاء على ما تبقّى من مكتسباتنا الدعوية ووحدتنا الوطنية! والله إن هؤلاء لمن أشر طوائف الأمة وأخطرهم على واقعها ومستقبلها، حيث ورد في الحديث عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ستفترق أمتي على بضعٍ وسبعين فرقة أعظمها فتنةً على أمتي قومٌ يقيسون الأمور برأيهم فيُحِلّون الحرام ويُحَرِّمونَ الحلال) ،"رواه الطبراني والبزار، وقال الهيثمي: (رجاله رجال الصحيح) ."
وهاهم أولاء يُقدمون المصلحة التي قد تلوحُ لعقولهم العقيمة فينتحلون المبررات لتقديمها على قواطع النصوص ومبرمات الأحكام فَرَبَتْ ضلالتهم على التاركين لمحكم النصوص المتبعين لمتشابهها، حيثُ أنهم أعرضوا عن محكم النصوص ومتشابهها جملة ولاذوا بمتشابه العقول والآراء فجاءوا بالطامة الكبرى والفتنة العظمى وقى الله الأمةَ شرَّ فتنتهم.
ويُقال لهؤلاء؛ إن أهم مكتسبات الأمة على الإطلاق توحيدُ الله عز وجل بمعناه الشامل وإن عارض مصالح سلاطين السوء أئمةِ الضلالة، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا إن رحى الإسلام دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم مالا يقضون لكم فإذا عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم، قالوا: يا رسول الله: كيف نصنع؟ فقال: كما صنع أصحاب عيسى بن مريم، نُشِروا بالمناشير وحُمِلُوا على الخشب، موتٌ في طاعة الله خيرٌ من حياةٍ في معصية الله) رواه الطبراني.
فحقيقة المصلحةِ السعيُ في مرضاة الله وإن كلّفَ ذلك من الخسائر المادية ما كلف فكله مرادٌ لله موافقٌ لحكمته البالغة ?وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، وليس السعي للحفاظ على المصالح الدنيوية - في نظر المنهزمين - على حساب أحكام الله مصلحةً شرعية معتبرة، بل هي معصيةً تنذر بحلول عقابٍ عظيم.
ألا ترى عتاب الله لجنده الأبرار إثر معركة بدر يوم أن عفو عن سبعين من صناديد الكفر مقابل عَرَضٍ دنيوي يفدون أنفسهم به فيأخذه المسلمون قوةً لهم على الجهاد والإعداد كما أشار بذلك أبو بكرٍ رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله على إثر ذلك آيات عتابٍ عظيمة سمى تعالى فيها تلك المصلحة التي لاحت لخير البشر بعد الأنبياء عليهم السلام أبي بكر: عرضًا دنيويًا لا تُعارض به حكمة الله المقترنة بعلمه تعالى بمصالح العباد في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ?مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، ويبكي هذا العتابُ رسولنا صلى الله عليه وسلم وأبابكر، مع أنه لم يكن في مسألة الأسرى نص قبل ذلك حتى يكونوا مخالفين له، وإنما مصلحةٌ رأوها في نازلةٍ لا نص فيها ثم يعاتبهم الله هذا العتاب المؤثر؟
فكيف بحال القاعدين أصلًا عن الجهاد والإعداد؟ وقد فرغوا كثيرًا من جهودهم في سبيل تبرير المصالح الوطنية القومية المزعومة التي لا تمت حسب طرحهم للكتاب والسنة بصلةٍ أبدًا مع معارضتها الصريحة لكليات وقواعد الدين ونصوص الكتاب والسنة والتي استقر عليها فهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إنَّ إرادة إقامة حكم الله كما أمر الله إرادةٌ شريفة لا يمكن أن تترعرع في نفوسٍ عششت فيها الهزيمة والهوان والذل والخوف، ولذلك يُربّي الله عز وجل أنبياءه وأتباعهم على الاستعداد لتحمّل كل تبعات هذا الطموح الكبير واستصحاب توحيد الله بالخشية والرجاء والتوكل والصبر والتفويض وغير ذلك؛ ?الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا، ?الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، وقال تعالى: ?أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، وفي قراءة: {عباده} .
إنها أنفسٌ زكية أبيّة لا ترضى بأنصاف الحلول ولا بتجزئة الدين ولا بخلط الطيب بالخبيث، ولا تطيب لها الحياة والدين ينقص من أطرافه، بل ومن لُبّه.
وكما كان أبو بكر رضي الله عنه يحمل هذا الحس النقي حينما قال يوم الردة: (أينقص الدين وأنا حي؟!) .
الله أكبر! هكذا فليكن أتباعهم سيرًا على منهاجهم، إذ كيف تطيب لهم الحياة والدينُ يخترمُ اخترامًا ويُحارب حربًا؟ ألا نخشى أن يعمنا الله بعقابٍ من عنده إن لم ننتصر له فنبوء بخسارة الدنيا والآخرة؟ ألم يُخوّف الله نبيه وخليلة وحبيبه لو ركن إلى الظالمين شيئًا قليلًا؟ كيف نأمن من عقاب مَنْ لا يحابي رسوله ونبيّه صلى الله عليه وسلم لو ركن إلى الكافرين شيئًا يسيرًا وحاشاه أن يفعل بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، ?وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا?.
فكيف بنا نحن المذنبين المفرّطين لو ركنّا ركونًا كبيرًا وداهنّا في ذات الله مرتدي الزمان وطواغيت الأوطان باسم مصلحة الوحدة الوطنية الجاهلية والحفاظ على مكتسبات الدعوة زعموا!
فحسبنا الله ونعم الوكيل، وإلى لقاءٍ في فصلٍ آخر في العدد القادم بمشيئة الله.